الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليهما السلام

 

نسبه الشريف :

هو خليفة سلفه الطاهرين وجده النبي الأمين (ص) ، وفلدة كبده المقطعة بالسم النقيع ، باب الحوائج ، وحجة الله والخليفة المعين والمنصوص عليه بعد أبيه الصادق (ع) ، الإمام السابع ، والمعصوم التاسع ، الحليم الصابر العالم ، موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب الكاظم سلام الله عليهم أجمعين .

فنسبه لأبيه فهو ما عرفت من شرف الأسرة وطهارة المحتد ، ورفعة السلاله التي تبدأ بخاتم المرسلين محمد بن عبدالله (ص) وتتدرج في فرع الإمامة حتى تصل إلى الإمام الصادق (ع) .

واما أمه فهي حميدة البربرية بنت صاعد البربري الذي كان من أشراف البربر وهم قوم في المغرب في شمال أفريقيا اليوم ، وقد كانت (رض) كأسمها حميدة الصفات جداً ، وقد روي عن زوجها الإمام الصادق (ع) انه قال في حقها أن حميدة مصفاة من الأدناس كسبيكة الذهب ، وإنها حميدةٌ في الدنيا ، محمودة في الآخرة ، وقد كانت في الأصل جارية اشتراها الصادق (ع) فأولدها الإمام الكاظم (ع) .

ولادتــــــــــه :

ولد الإمام موسى الكاظم (ع) في قرية يقال لها (( الأبواء)) تقع بين مكة والمدينة المنورة ، يوم الأحد في اليوم السابع من شهر صفر المظفر من سنة ثمان وعشرين ومائة بعد الهجرة النبوية الشريفة صلى الله على مهاجرها وآله .

كـــنــاه وألـقــابــــــه :

يكنى بأبي الحسن الأول ، وهي أشهر كناه ، كما يكنى بأبي الحسن الماضي ، وأبي إبراهيم ، وأبي علي ، وأبي إسماعيل .
وأما القابه : فله ألقاب كثيرة منها الكاظم وهو أشهرها ، لما ظهر منه (ع) من كظم الغيظ والحلم والصبر ، ومنها العبدالصالح ، والنفس الزكية ، وزين المجتهدين ، وباب الحوائج ، (وهذ اللقب سببه ان شفاعة الإمام ، والدعاء إلى الله سبحانه عن طريقه ، والحوائج المطلوبة من الله تعالى بواسطة الإامام (ع) مجربة ومقضية إن شاء الله تعالى ). ومن ألقابه الوفي ، والصابر ، والأمين ، والزاهر ، والطيب ، والصالح ، والسيد ، والمأمون .

النص على إمامته وخلافته :

وقد نص الإمام الصادق (ع) على إمامته وخلافته من بعده بأمر من النبي (ص) ، كما روى الشيخ المفيد في الأرشاد عن عبد الأعلى بن الفيض بن المختار قال : قلت لأبي عبدالله (ع) خذ بيدي من النار ، مَنْ لنا بعدك ؟ . قال فذخل أبو إبراهيم وهو يومئذٍ غلام ، فقال :هذا صاحبكم فتمسك به .
وروى (رض) عن الفضل بن عمر الجعفي رحمه الله تعالى قال : كنت عند أبي عبدالله (ع) فدخل أبو إبراهيم موسى (ع) وهو غلام ، فقال لي أبو عبدالله : استوصِ به وضع أمره عند من تثق به من أصحابك .

حياته بشكلٍ عام :

عاش الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع) خمساً وخمسين سنة ، أقام منها مع أبيه الإمام الصادق (ع) عشرين سنه ، وكانت السنوات الخمس والثلاثون الباقية مدة إمامته وخلافته بعد أبيه (ع) .

ملوك عصره :

عاصر (ع) بقية حكم أبي جعفر المنصور العباسي ، ومن بعده أبنه محمد المهدي الذي ملك عشر سنين وشهراً وأياماً ، ومن بعده أبنه موسى اللاهادي ابن محمد المهدي الذي ملك سنة وخمسة عشر يوماً ، ثم من بعده ملك أخوه هارون اللارشيد ثلاثاً وعشرين سنة وشهرين وسبعة عشر يوماً ، واستشهد الإمام الكاظم (ع) بعد مضي خمس عشرة سنة منها .

زوجاته واولاده :

تزوج (ع) زوجات عديده (ع) واولدهن الكثير من الأولاد ، وكان (ع) اكثر الأئمة ذرية ، حتى أختلف في عدد أولاده ، والمشهور انهم كانوا سبعة وثلاثين ولداً ، منهم ثمانية عشر ذكوراً ، وتسع عشرة إناث . لكن المتحصل عليه من المصادر المختلفة هم ما يلي :

أولهم واعلاهم قدراً وأفضلهم وأنبههم وآعلمهم ، واجمعهم فضلاً ، وصي أبيه وخليفته من بعده ، أعني الإمام الثاني علي بن موسى الرضى (ع) ، ومنهم إبراهيم ، والعباس ، والقاسم ، وإسماعيل وجعفر ، وهارون ، وجعفرالأصغر ، واحمد ، ومحمد ، وحمزة ، وعبيدالله ، وإسحاق ، وعبدالله ، وزيد ، والحسن ، والفضل ، وسليمان ، وعبد الرحمن ، وعقيل ، ويحيى ، وداود ، والحسين .

أما البنات فهن فاطمة الكبرى ، وفاطمة الصغرى ، وكلثم ، وام جعفر ، ولبابة ، وزينب ، وخديجة ، وعليَّه ، ورقيه ، وحكيمه ، وآمنة ، وحسنة ، ووجيهة ، ونزيهه ، وعائشه ، وأم سلمة ، وميمونة ، وام كلثوم ، وام فروة ، وأم أبيها ، وام القاسم ، وام وحيّه ، وأسماء ، وأُمامة ، وام عبدالله ، ومحمودة ، وزينب ، الصغرى ، ورقية الصغرى ، وغيرهن

وقد كان لكل واحد من ولده (ع) فضل ومنقبه ، ولكن الإمام الرضى (ع) هو المقدم عليهم من جميع جهات الفضل والعلم والتقى ، وكان إبراهيم رجلاً كريماً شجاعاً ، وقد تقلد الأمرة على اليمن في أيام المأمون من قبل محمد بن زيد بن علي السجاد الذي خرج بالسيف ثائراً على العباسيين ، وكان مقره الكوفه في العراق إلى ان فتح المأمون الكوفة فأعطى الأمان محمد بن زيد . وكان محمد بن الإمام موسى (ع) من أهل الفضل والصلاح وصاحب عبادة وصلاة .

علمـــــــه وتــقــواه :

إن الأخبار ملئيه عن سعة علم الإمام الكاظم (ع) وعمق غوره ودقة أحكامه ، وطافحة باجوبته العجيبة واللطيفة والمذهلة ومحاججاته المفحمة ، منذ كان فتى أو حتى حَدَثاً ، ومع أعلام الكبار في السنن والمعرفة .

ومن ذلك ما نقل ، من أن أبا حنيفة دخل المدينة المنورة في أيام الإمام الصادق (ع) ومعه عبدالله بن مسلم ، فأراد الذهاب للإمام الصادق (ع) ليرِدا على الإمام الصادق (ع) ويسأله من مسأله يخجلاه امام اصحابه - على حد زعمهم- ، فأتيا باب الإمام الصادق (ع) والناس ينتظرون خروجه (ع) ، وقبل خروج الإمام الصادق خرج عليهم من الدار غلام حدث السن ، فقام الناس اجلالاً وهيبة له ، فسأله أبو حنيفة صاحبه عبدالله عن الغلام ، فقال :هذا ابنه موسى (ع) فأراد أبو حنيفة أن يمتحنه فتقدم إلى الإمام موسى بن جعفر وسأله يا غلام أين يضع الرجل حاجته ؟ فرد الإمام بما معناه يضعها في مكان بحيث يتوارى فيهِ عن الأنظار ، ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ، ثم شرح له الإمام واجبات ومستحبات ومكروهات التخلي ، فبهت أبو حنيفة ، لأن أبا حنيفة يعتقد أن الإمام موسى (ع) سيجيبه عن معنى وضع الرجل حاجياته أي أغراضه وثيابه ، وكان قصد أبي حنيفة الخلاء ، فكيف عرف الإمام بقصد أبي حنيفة ؟ وزاد هذا من إكبار أبي حنيفة للإمام .
ثم سأله عن المسأله التي يريد من الإمام الصادق (ع) جوابها : فقال للإمام موسى (ع) : يا غلام ، ممن المعصية ؟ قال الإمام (ع) يا شيخ إن المعصية لا تخلوان تكون واحدة من ثلاثة : إما أن تكون من الله تعالى ، ولا ياتي العبد شيئاً منها ، فليس للحكيم عندئذٍ ان يأخذ عبده بما لم يفعله ، وإما أن تكون من العبد ومن الله معاً ، والله أقوى الشريكين ، فليس للشريك الأكبر أن ياخذ الشريك الأصغر بذنبه ، وإما أن تكون من العبد ، وليس لله شيئ منها ، فالأمر عندئذٍ لله ، إن شاء عفا وأن شاء عاقب ، فأصابت أبا حنيفة سكته ولم يرد على الإمام (ع) بكلمه .

وكان سلام الله عليه إذا صلى اضطربت اعضاؤه ، وجرت دموعه .

قصص من حياته(ع)

في امر الله عزوجل ونهيه


سئل الإمام موسى الكاظم (عليه السلام): هل منع الله عمّا أمربه؟ وهل نهى عمّا أراد؟ وهل أعان على مالم يرد؟
فقال (عليه السلام): أمّا ما سألت:« هل منع الله عمّا أمربه؟» فلا يجوز ذلك، ولو جاز ذلك لكان قد منع إبليس عن السجود لآدم، ولو منع إبليس لعذره ولم يلعنه.
وأمّا ما سألت:« هل نهى عمّا أراد؟» فلا يجوز ذلك، ولو جاز ذلك لكان حيث نهى آدم (عليه السلام) عن أكل الشّجرة أراد منه أكلها، ولو أراد منه أكلها لما نادى عليه صبيان الكتاتيب: « وَ عَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى» ـ طه:121 ـ والله تعالى لا يجوز عليه أن يأمر بشيء ويريد غيره.
وأمّا ما سألت عنه من قولك:« هل أعان على مالم يرد؟» فلا يجوز ذلك وجل الله تعالى عن أن يعين على قتل الأنبياء وتكذيبهم، وقتل الحسين بن علي (عليهما السلام) والفضلاء من ولده، وكيف يعين على مالم يرد وقد أعدّ جهنم لمخالفيه، ولعنهم على تكذيبهم لطاعته، وارتكابهم لمخالفته؟! ولو جاز أن يعين على مالم يرد لكان أعان فرعون على كفره وادّعائه أنّه رب العالمين، أفترى أراد الله من فرعون أن يدّعي الربوبيّة؟ يستتاب قائل هذا القول، فان تاب من كذبه على الله وإلّا ضربت عنقه.

الامام (عليه السلام) في مجلس الرشيد


روي أنّ المأمون قال لقومه: أتدرون من علمني التشيع؟
فقال القوم: لا والله ما نعلم ذلك.
قال: علّمنيه الرشيد!
قيل له: وكيف ذلك، والرشيد كان يقتل أهل هذا البيت؟!
قال: كان يقتلهم على الملك، لأنّ الملك عقيم، ثمّ قال: إنّه دخل موسى بن جعفر (عليهما السلام) على الرشيد يوماً فقام إليه الرّشيد، واستقبله وأجلسه في الصدر وقعد بين يديه، وجرى بينهما أشياء. ثمّ قال موسى بن جعفر (عليهما السلام) لأبي: يا أميرالمؤمنين! إن الله عزّوجل قد فرض على ولاة عهده: أن ينعشوا فقراء الأُمة ويقضوا عن الغارمين، ويؤدوا عن المثقل، ويكسوا العاري، ويحسنوا إلى العاني ـ الاسير ـ ، وأنت أولى من يفعل ذلك.
فقال الرشيد : أفعل يا أباالحسن.
ثمّ قام، فقام الرشيد لقيامه. وقبّل ما بين عينيه ووجهه ثمّ أقبل عليَّ وعلى الأمين وعلى المؤتمن فقال: يا عبدالله! ويا محمّد! ويا إبراهيم! امشوا بين يدي ابن عمّكم وسيدكم، خذوا بركابه وسوّوا عليه ثيابه وشيّعوه إلى منزله، فأقبل إليَّ أبوالحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) سرّاً بيني وبينه فبشرني بالخلافة، وقال لي:« إذا ملكت هذه الأمر فأحسن إلى ولدي».
ثمّ انصرفنا وكنت أجرأ ولد أبي عليه، فلمّا خلا المجلس قلت: يا أميرالمؤمنين! ومن هذا الرجل الذي أعظمته وأجللته، وقمت من مجلسك إليه فاستقبلته وأقعدته في صدر المجلس وجلست دونه، ثمّ أمرتنا بأخذ الركاب له؟
قال: هذا إمام النّاس وحجة الله على خلقه، وخليفته على عباده!
فقلت: يا أميرالمؤمنين: أو ليست هذه الصفات كلّها لك وفيك؟
فقال: أنا إمام الجماعة في الظّاهر بالغلبة والقهر، وموسى بن جعفر إمام حقّ، والله يا بني إنّه لأحقّ بمقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) مني ومن الخلق جميعاً، ووالله لو نازعتني في هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك، لأنَّ الملك عقيم.
فلمّا أراد الرحيل من المدينة إلى مكّة أمر بصّرة سوداء فيها مائتا دينار ثمّ أقبل على الفضل فقال له: إذهب إلى موسى بن جعفر وقل له: يقول لك أميرالمؤمنين: نحن في ضيقة وسيأتيك بِرّنا بعد هذا الوقت.
فقمت في وجهه فقلت: يا أميرالمؤمنين! تعطي أبناء المهاجرين والأنصار وسائر قريش وبني هاشم ومن لا تعرف حسبه ونسبه: خمسة آلاف دينار إلى ما دونها وتعطي موسى بن جعفر وقد عظّمته وأجللته مائتي دينار، وأخسّ عطية أعطيتها أحداً من النّاس؟
فقال: اسكت لا أمّ لك! فاني لو أعطيته هذا ما ضمنته له، ما كنت آمنه أن يضرب وجهي غداً بمائة ألف سيف من شيعته ومواليه، وفقر هذا وأهل بيته أسلم لي ولكم من بسط أيديهم وإغنائهم.

مصائبه واستشهاده :

قضى(ع) فترة من حياته في ظلمات السجون يُنقل من سجن إلى سجن ، فقد سجنه محمد المهدي العباسي ، ثم أطلقه وسجنه هارون الرشيد في البصرة عند عيسى بن جعفر ، ثم نقله إلى سجن الفضل بن الربيع في بغداد ، ثم نقله إلى سجن آخر عند الفضل بن يحيى ، وآخر سجن نقل إليه في بغداد وهو سجن السندي بن شاهل ( لعنة الله عليهم أجمعين) وكان أشد السجون عذاباً وظلمة ، وكان لا يُعرف الليل من النهار فيه .
لقد تحمل هذا الإمام الغريب المظلوم المعصوم (ع) من ملوك زمانه ومن الساعين إليهم في حقه (ع) ومن الحساد والفساق ، أذى كثيراً ومصائب عظيمة، وبخاصة منهم اللعين محمد المهدي الذي عزم على قتل الإمام (ع) ولكن الله خذله حتى قتله ، وبعده ابنه هارون الرشيد الذي أشخص الإمام (ع) من المدينة وسجنه مرتين .
وكان السندي بن شاهك شديد النصب والعداوة لآل الرسول (ص) إلى أن امره الرشيد بسم الإمام (ع) ، فقدم إليه عشر حباتٍ من الرطب المسموم ، أجبره على اكلِها ، فتناولها الإمام (ع) وتمرض من ذلك ثلاثة أيام ، استشهد بعدها مظلوماً في السجن المظلم تحت القيود والأغلال يوم الجمعة في الخامس والعشرين من شهر رجب من سنة ثلاث وثمانين بعد المائة من الهجرة الشريفة .
وقد أخرجوا جنازته المقدسة بالذل والهوان ، ووضعوها على جسر الرصافة ببغداد ، حيث بقيت ثلاثة أيام ، أسوة بجده الرسول (ص) وجده الحسين (ع) والمنادي ينادي هذا إمام الرافضة ، إلى ان علم بذلك سليمان عم الرشيد ، فامر بحملها مكرمة معظمة ، وغير النداء بقوله : الا فمن أراد يحضر جنازة الطيب ابن الطيب والطاهر بن الطاهر فليحضر جنازوة موسى بن جعفر (ع) ثم غسل وكفن باحسن كفن ثمين ، وامر بتشييع الجنازة ، ودفن (ع) في الجانب الغربي من بغداد ، في المقبرة المعروفة بمقابر قريش جانب الكرخ من الكاظمية ، من باب التين ، وهو الموضع الذي يقوم فيه اليوم ضريحه ومزاره ، وله مقام ومزار عظيم لا يقل عن مزار جديه علي والحسين (ع) .