الإمام علي بن موسى الرضا عليهما السلام

 

 

نــســبــه الــشــريــف :

هو الإمام الثامن من أئمة الشيعة الإثنى عشرية - أعزهم الله تعالى - حجة الحق والخليفة على عامة الخلق ، الناهج في مناهج القضاء علي الثالث من العليين الأربعة أبي الحسن علي ابن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين . فنسبه (ع) من نسب والده الإمام العظيم (ع) منتهياً بأبي الحسن علي بن أبي طالب (ع) وبالنبي الأكرم محمد( ص) .

أما أمه فهي أم ولد ، وهذا اللقب كان يطلق على الجارية التي تحمل وتلد من سيدها ومالكها ، وكان يمنع بيعها بعد الولاده وتصبح حرة ، لا تباع بعد وفاة ما لكها .

ولآمه (ع) أسماء وألقاب وكنى عديدة منها : نجمة ، وسمانة ، وتكتم ، وصفر ، وأروى ، وسكن النوبية ، والطاهرة ، وخيرزان المريسية ، وأم البنين .
وكانت جارية جليلة جداً ، اشترتها حميدة المصفاة ، أم الإمام موسى بن جعفر (ع) وكانت من أفضل النساء في عقلها ودينها وإعظامها لمولاتها حميدة ، حتى إنها لم تجلس بين يديها منذ ملكتها اجلالاً لها ، وكانت حميدة تقول لأبنها موسى (ع) إن تكتم جارية ما رأيت قط جارية أفضل منها ، ولست أشك أن الله عز وجل سيطهر نسلها إن كان لها نسل ، وقد وهبتها لك فاستوصِ خيراً بها .
فلما نكحها الإمام موسى بن جعفر (ع) وولدت له الرضا (ع) سماها الطاهرة ، وفيها وفي ابنها يقول الشاعر :

ألا إنّ خيرَ الناس نفساً ووالداً ... و رهطاً واجداداً عليّ المعظمُ

اننا بهِ للعلم والحلم ثامناً ... إماماً يؤدي حجة الله "تكتمُ"

ولادتـــــــــــه :

ولد الإمام علي بن موسى الرضا (ع) في المدينة المنورة يوم الجمعة ، وقيل يوم الخميس الحادي عشر من شهر ذي القعدة الحرام من سنة ثمان وأربعين ومائة للهجرة النبوية الشريفة .

كــنــيــتــه وألــقــابــه :

أما كنيته ، فهي ككنية جدة أمير المؤمنين (ع) ( أبو الحسن ) ، ولهذا يعرف الإمام الرضا عليه السلام بأبي الحسن الثاني .
وأما القابه فكثيرة ، أولها وأشهرها : الرضا ، وإنما لقب بهذا اللقب لأنه كان رضا الله في سمائه ، ورضا الرسول (ص) في أرضه ، ورضا الأئمة من بعده ، بل رضيَ به المخالفون من اعدائه وضده ، كما رضي به الموافقون من أوليائه وجنده ، ولم يكن ذلك لأحد من آبائه (ع) بالنسبة إلى غير أوليائه لأنه (ع) رضيه المأمون لولاية عهده في ظاهر الأمر ، وليس الأمر ما ذكره بعض المورخين من ان الرضا لقب أطلقه المامون على عليه (ع) ، بل الصحيح أن هذا اللقب منصوص عليه من أجداده (ع) من الرسول (ص) .
ومن كناه أيضاً : الرضي ، والصابر ، والصادق ، والوفي ، والفاضل ، والضامن ، وقرة أعين المؤمنين ، وغيظ الملحدين - أو مكيدة الملحدين - ، وسراج الله ونور الهدى ، وكفو الملك ، وكافي الخلق ، وربُّ السرير ، ورب التدبير ، والصديق والمرتضى ، والراضي بالقدر والقضاء ، وينعت بغريب الغرباء ، ومعين الضعفاء ، ومعين الضعفاء والفقراء ، والمغيث ، ومغيث الشيعة والزوار في يوم الجزاء ، والإمام الرؤوف ، والسلطان علي بن موسى الرضا .

ســنــوات عــمــره وحــيــاتــه بــشــكــل عــام :

عاش الإمام الرضا (ع) أربعاً وخمسين سنة وأشهراً على المشهور ، وعلى ما هو ممشهوراً أيضاً فإنه (ع) ولد في السنة االتي استشهد فيها جده الإمام الصادق (ع) وعاش (ع) مع أبيه الإمام موسى بن جعفر (ع) ما يقرب من أربعة وثلاثين سنة ، وكانت مدة إمامته وخلافته بعد أبيه ما يقرب من عشرين سنة .

مــلــوك عــصــره :

عاصر (ع) بقية حكم هارون الرشيد عشر سنين وخمسة وعشرين يوماً ، ومن بعده ابنه محمد بن هارون المعروف بالأمين وهو ابن زبيدة ، ثلاث سنين وخمسة وعشرين يوماً ، خُلع بعدها وأجلس مكانه عمه ابراهيم أربعة عشر يوماً ، ثم خرج محمد بن زبيدة من السجن بعدها ، وبويع ثانيةً ، فملك سنه وستة أشهر وثلاث وعشرين يوماً ، ثم تغلب عليه وقتله أخوه ابن الجارية عبدالله المأمون الذي ملك عشرين سنة وثلاث وعشرين يوماً ، والذي أنتهت حياة الإمام الرضا (ع) وإمامته في عهد المأمون ، بعد مضي خمس سنوات من حكمه .

الــنــص عــلــى إمــامــتــه وخــلافــتــه :

نص الإمام موسى الكاظم (ع) على إمامة ابنه الإمام الرضا بمرويات منها :
روي عن احمد بن مهران عن محمد بن علي بن محمد بن الفضل قال : حدثني المخزومي قال بعث الينا أبو الحسن موسى (عليه السلام ) فجمعنا ثم قال : أتدرون لم دعوتكم ؟
فقلنا : لا .
قال : اشهدوا ان ابني هذا - وأشار إلى ولده الرضا عليه السلام - وصيي والقيم بامري وخليفتي من بعدي ، من كان له عندي دينٌ فليأخذه من ابني هذا .... إلى آخره كما في الإرشاد .

وروي عن داود الرقي قال : قلت لأبي ابراهيم (ع) جعلت فداك : اني قد كبر سني فخد بيدي وأنقذني من النار . من صاحبنا بعدك قال : فأشار إلى ابنه أبي الحسن (ع) فقال :
هذا صاحبكم من بعدي ............. إلى غير ذلك من النصوص المروية كما في الإرشاد .

زوجــاتــة و أولاده (ع) :

تزوج الإمام سلام الله عليه زوجات عديدة ، نعرف منهن ام حبيب بنت المامون ، وسبيكة أم الإمام الجواد الذي سيلي ذكر احواله (ع) إن شاء الله تعالى . والمعروف عندنا - معاشر الإمامية - أنه لم يولد له (ع) سوى الإمام محمد الجواد (ع) ولم يخلف سواه من الأولاد ، وأمه أم ولد وكنيتها أم البنين واسمها تكتم وسبيكة كما مر . وقيل سكن ، وقيل أروى ، وقيل نجمة ، وهو (ع) وأخوه القاسم (ع) واخته المعصومة (ع) في قم من ام واحدة .

وقيل عن بعض العامة انه ولد للإمام الرضا (ع) خمسة ذكور وأنثى واحده هم : محمد الجواد ، والحسن ، وجعفر ، وإبراهيم ، والحسين ، وعائشة ، وهو خلاف المعروف عند اصحابنا .

زهــده عــلــيــه الــســلام :

ومن زهده (ع) أن جلوسه في الصيف على حصير ، وفي الشتاء على مسح ، ولبسه الغليظ من الثياب ، فإذا برز للناس تزين لهم بأزين اللباس ، وكان كل كلامه (ع) وجوابه وتمثاله انتزاعات من القرآن واقتباس من آياته ، وكان (ع) يختمه في كل ثلاثة أيام مرة ويقول : لو أردت أن أختمه في أقل من ثلاث أيام لختمته ، لكنني ما مررت بأيه قط ، الا تفكرت فيها وفي أي شيئ نزلت ، وفي أي وقت ، فلذلك صرت أختمه في كل ثلاث أيام مرة .

عبادته (ع) :

ومن عبادته (ع) ما رواه عبدالسلام بن صالح الهروي قال : جئت إلى باب الدار التي حبس فيها أبو الحسن الرضا (ع) بسرخس ، فاستأذنت عليه السجان فقال : لا سبيل لك عليه : فقلت ولِم ؟ فقال :لأنه ربما صلى يومه وليلته ألف ركعة ، وإنما ينفتل من صلاته ساعة في صدر النهار وقبل الزوال وعند أصفرار الشمس ، فهو في هذه الأوقات يناجي ربه .

كرم أخلاقه عليه السلام :

ومن ذلك ما حكاه عمه ابراهيم بن العباس قال : ما رأيت ابا الحسن الرضا (ع) جفا أحداً بكلامه قط ، ولا رأيته قطع على أحد كلامه قط حتى يفرغ منه ، ولا ردا أحداً عن حاجه قط ، ولا مد رجليه بين يدي جليس له قط ، ولا رأيته يشتم أحد من مواليه ومماليكه قط ، ولا رأيته يقهقه في ضحكه قط ، بل كان ضحكه (ع) التبسم ، وكان إذا نصب ما ئدته أجلس معه عليها ماليكه ومواليه حتى البواب والسايس ، وكان قليل النوم باليل كثير السهر يحيي لياليه بالعباده من أولها إلى الصبح .
وكان كثير الصيام ولا يفوته صيام ثلاثة في الشهر ، ويقول (ع) ذلك صوم الدهر ، وكان (ع) كثير المعروف والصدقة في السر واكثر ذلك في اليالي المظلمة ، فمن رأى مثله فلا تصدقوه .
وناهيك بها من خصال شريفه ، وخلال طريفه ، وصفات منيفة فيه (ع) وأباؤه الكرام عليهم أفضل الصلاة والسلام ، لا بد أن يكونوا أحسن الناس خَلقاً وخُلقاً ، واظهرهم فرعاً وعرقاً.

ولا ينافيه ما ورد فيه (ع) أنه أسمر اللون مع ان الأسمر هو الذي بياضه مشوب بالحمرة فيسمى عند العرب أسمر

وأن الإمام (ع) لا يظهر للناس من كل شيئ إلا ما تحتمله عقولهم ولا تنحسر عنه أنصارهم ولا تنفر منه بصائرهم .

وروي ان النبي (ص) كان يسمع أصحابه من صوته في قرآءته القرآن ما تحتمله عقولهم ، ولو أسمعهم صوته لماتوا من سماعه .

ولا شك أن نورهم واحد ، وطينتهم واحدة من ذلك النور العظيم ، قال تعالى (( ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم )) ولهذا كان الأئمة (ع) يظهرون لخواص شيعتهم الكرام على حسب الحالات التي تحتملها عقولهم في كل مقام ، فهم مظاهر الحقيقة الأحدية ، والحجة على جميع البرية ، فلا بد من ظهورهم لكل واحد بما يناسب القابلية ، وليس هذا بغريب ، ولا منهم بعجيب .

مصائبه وصبره عليه السلام :

لقد ابتلى هذا الإمام العظيم بمصائب جمة تجرعها (ع) بصبر وثبات ، ومن ذلك مصائب الواقفية .
كان الرضا (ع) حجة الله وخليفته في أرضه بعد أبيه الإمام موسى الكاظم (ع) بنصوص من أبائه (ع) . وقد صرح الإمام موسى الكاظم (ع) بإمامة ابنه الرضا (ع) تكراراً ومراراً ، دون بقية اولاده ، وأشهد على ذلك اصحابه في مواقع عديدة ، ومن ذلك ماروى أن أباه الكاظم (ع) قال للمفضل بن عمر انه صاحب الأمر من بعده ، ومن أطاعه فقد رشد ، ومن عصاه كفر .
وقد بين الإمام الكاظم (ع) أم امر الإمامة والخلافة هو بيد الله عز وجل كما النبوة كذلك ، وليس للناس أن يختاروا لأنفسهم نبياً ويجعلوه واسطة بينهم وبين خالقهم ليبلغهم أحكامه تعالى إليهم ، ولا ينبغي ولا يُقبل أن يكون الخالق تابعاً لأراء المخلوقين واهوائهم " ولو اتبع الحق اهواءهم لفسدت السماوات والأرض " قال تعالى (( ولله الأمر من قبل ومن بعد ))

بل إن البشر تأبى ذلك فهل يرضى شخص كمدير أو رئيس أن ينصب شخص غيره نائباً له ، فإن ذلك يعتبر تدخلاً في شؤونه الشخصية ، فالمدير هو الذي يضع له نائباً وليس غيره ، وكذلك الرئيس فإذا كان هذا حال الناس ، فكيف بالله تعالى ، وهو منزه عن الأستشارة والأهواء والميول .

ولذا نرى في القرآن الكريم أنه تعالى قد نسب " جعل " الخلافة والإمامة أي تعيينها وتقريرهما إلى ذاته المقدسة في كل اية منها شيئاً فيقول عز من قائل :(( يا داود إنا جعلناك خليفةً في الأرض )) سورة ص اية 26 ، ويقول في حق ادم (ع) (( إني جاعلٌ في الأرضِ خليفة )) سورة البقرة اية 30 ، وفي حق ابراهيم (ع) ((إني جاعلك للناس إماماً )) سورة البقرة اية 124وفي حق نبينا المصطفى محمد (ص) ((إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيرا )) سورة الفتح اية 8، فكذلك أمر الخلافة والإمامة ، وجعل الإمام بعد الإمام ليس ألا بيد الله تعالى حتى أن النبي والإمام لا يمكنهما جعل الخليفة إلا بأمر منه تعالى وبأذن منه وتعيين منه تعالى ، ولذا كان طلب نبي الله موسى (ع) من ربه تعالى ان يجعل له وزيراً . قال تعالى (( وجعل لي وزيراً من أهلي )) سورة طه اية 29 ، وقال تعالى في حق نبينا (ص) (( وما ينطق عن الهوى () إن هو إلا وحي يوحي )) سورة النجم ايه 3 و4 ، وقال تعالى (( ولو تقول علينا بعض الأقاويل )) سورة الحاقة اية 44 ومع ذلك بعد كل تلك التأكيدات التامة من الإمام الكاظم (ع) في ولده الرضا (ع) وأخد العهود والمواثيق الأكيده من أصحابه على الأقرار بإمامته دون بقية ذريته ن فقد انحرف من شيعة الكاظم (ع)عن ابنه الرضا (ع) وقالوا بوقف الإمامية على الكاظم (ع) وانه بعد وفاته وشهادته قد انقطعت الإمامة والخلافة وهم المعروفون "بالواقفية "

بل قيل أن سبب انحرافهم أن رؤسائهم كانت بأيديهم من الأوقاف والأموال المتعلقة بإمام زمانهم شيئ كثير . فطمعاً بأكل تلك الأموال أنكروا إمامة الرضا (ع) وقالوا بالوقف على الكاظم . ثم بعد ما علم أتباعهم بفساد نيات رؤساهم ، وتشرفوا بخدمة الإمام الرضا (ع) ورأوا منه المعاجز الكثيرة أذعنوا لإمامة الرضا (ع) ، وبقى شرذمة قليلة منهم على غيهم وظلالهم .

ولاية الإمام الرضا عليه السلام لولاية العهد :

كان المامون !! احد علماء عصرة المتفقهين ، وكان مطلعاً على الفلسفة راوياً للأخبار واقفاً على علوم الكلام والفقه وسواها ، ولذا كان يعرف جيداً أن الخلافة والإمامة والأمر على المسلمين هي حق لآل علي أبناء فاطمة الزهراء عليهما السلام . وكان يقيم في بلاد خراسان قبل أن ينقل خلافته إلى بغداد ، وكان معظم اهل خراسان من الشيعة ، فكان يتقرب إليهم ويتظاهر بالتشيع وحمل جماعة من آل أبي طالب (ع) من المدينة المنورة إلى مرو ، وحمل الإمام الرضا (ع) إلى طوس ، وظهرت للإمام (ع) في طريقه وبعد وصوله إلى تلك البلاد معجزات كثيرة وآيات وكرامات باهرة وألطاف زائدة على كافة الخلق ، حتى رضى عنه العدو والصديق والمؤالف و اجتمع إليه الناس واختلفت إليه الشيعة وتعاكفت عليه قلوب الخلق من جميع الطبقات . حتى خاف المأمون من ذلك على زوال ملكه وسلطنته .

ففكر( لع) بحيلة تجعل الناس ينفرون عن أبي الحسن (ع) فعرض على الإمام (ع) الخلافة ، وأظهر على أنه عازم على خلع نفسه عنها وتفويض الأمر إلى الإمام الرضا (ع) فأنكر الإمام (ع) عليه ، وجرت مناظرة بين الإمام (ع) والمامون ، مؤداها أن الإمام (ع) قال له بما معناه : إذا كان الله تعالى قد البسك ثوب الخلافة فلا يحق لك ان تخلعه بدون أذنه وتعطيها غيرك ، وإذا لم يلبسك الله ثوب الخلافة بل أنت البست نفسك إياها ، فكيف تعطي غيرك ما ليس لك .

ثم عرض المامون على الإمام ولاية العهد ، وقد أراد المامون بذلك تنقيص شان الإمام وتصغيره قدره في نفس الناس ، بأن يظهر لهم بان الإمام الرضا (ع) ليس له هم إلا طلب الدنيا والرياسة ، وإن ما يظهر منه من الأخلاق الكريمة النبوية ومحامد الصفات العلوية ، ليس إلا رياء عند الناس ، فإذا وجد شيئاً من الدنيا تكالبت عليه شهواته وسعت إليه نفسه ، ولكن هيهات للمامون من ذلك ، مع ولي الله وخليفته الشرعي .

عموماً ، شدد المامون على الإمام بقبوله لولاية العهد ، وذلك لتهدئة الأوضاع التي قامت على المامون واستدراج الشيعة إليه ، وإظهار حبه لأهل البيت (ع) خلافاً لأبائه - حتى هدد الإمام (ع) بالقتل سراً، وذلك بعد ان جرت بينه وبين الإمام (ع) تلك المناظرة .

ويقال بان سبب إعطاء المامون ولاية العهد للإمام الرضا (ع) ، له ثلاثة إحتمالات :

الأول : أن فكرة ذلك من ابتكار المأمون ، وانه كان مصمماً من كل قلبه على ذلك ، لأجل النذر الذي قطعه على نفسه ، سواء قلنا با نحرافه فيما بعد عن هذا التصميم كما يروهُ كل من الشيخ المفيد والشيخ الصدوق ( أعلى الله مقامهما ) أم قلنا ببقائه على نيته حتى النهاية كما يراه بعض المستشرقين .

الثاني : أنها ليست فكرة المامون أبداً ، بل هي فكرة الفضل بن سهل ذي الرياستين وزير المامون والذي قال البعض أنه شيعي ، متمكن من التشيع ، ويقول البعض الأخر أن الفضل فعل ذلك مبيتاً نية خطرة ، وليس بشيعي ابداً وهذا هو القول الصحيح .

الثالث : وتنطوي تحته أسباب سياسية أهمها :
1- تهدئة الفارسيين وكسبهم الذين كانوا يميلون إلى التشيع وآل علي ، وهم الذين قاموا ضد الأمويين أول الأمر تحت شعار الرضا من آل محمد .

2- قطع الطرق على انتفاضات العلويين ، وتهدئتهم ، وارضاءهم حيث جعل للعلوين سهماً في الخلافة ، حتى يهدئهم ثم يفرق الناس من حولهم ، وبهذا لا مجال لهم لحمل السلاح أو حيثما يدهبون للدعوة للقيام ضد الخلافة سيقول لهم الناس أنتم الأن شركاء في الخلافة ، والإمام الرضا هو الأن ولي العهد ، فانتم إذاً تقومون ضده .

3- نزع السلاح من الإمام الرضا (ع) ووضعه تحت نظر المامون مباشرة ، حتى لا يتمكن الإمام (ع) من التحرك حتى على الصعيد الشعبي فضلاً على السياسي وهناك اسباب اخرى منها

1-أن يامن المامون الخطر الذي كان يتهدده من قبل شخصية الإمام (ع)
2- وضع شخصية الإمام تحت المراقبة من الداخل والخارج وتمهيد الطريق للقضاء عليها بأساليبه الخاصة .
3- عزل الإمام عن الحياة الاجتماعية وابعاده عن الناس ، والعكس كذلك .
4- استغلال عاطفة الناس ومحبتهم لأهل البيت وتوظيف ذلك لصالح المامون ، وصالح الحكم العباسي بشكل عام
5- تقوية دعائم الحكم العباسي بشخصية الإمام التي تعنو لها الجباه بالرضا والتسليم .
6- إدعاء ان تصرفات واعمال المامون لم يكن الهدف من ورائها إلا خير للأمة ومصلحة المسلمين .
7- صرف أنظار الناس عن حقيقة ما يجري وما يحدث عن واقع المشاكل التي كان يعاني الحكم ، والأمة منها ، وما اكثرها .
8- الحصول على اعتراف من العلويين على اعلى مستوى بشرعية الخلافة العباسية وقد صرح المامون بذلك .
9- إعطاء الصورة الحسنة عن تصرفات الحكومة ، فإن سكوت الإمام الرضا (ع) دالاً على رضاه بها ، ويعتبر إمضاءً لها
10 - القضاء على الإمام وتصفيته جسدياً .

ولعل مسلمات التاريخ ، من أحضارالإمام الرضا (ع) من المدينة المنورة إلى مرو ، ورفض الإمام (ع) لها ، وشرط الإمام (ع) ان لا يكون له أي دخالة بأي شيئ ولا يتحمل مسؤولية تجاه أي عمل ، بان لا يعزل حاكماً ، ولا ينصب احداً لشيئ من امور الحكم ، ولا يامر فيها ولا ينهى ، ولا يفتي ولا يقضي ولا يغير شيئاً مما هو قائم . وكذلك تعامل الإمام بعد ولاية العهد ، وخطبته التي خطبها في محضر المأمون وكيفية مبايعته ن كل هذه المسلمات تعطي دلالة قويه لهذا الأحتمال بكونه السبب الرئيسي لا عطاء المأمون ولاية العهد .

وهناك الكثير من الكلام عن ولاية العهد ، وقبول الإمام الرضا(ع) لها ، نتركها خوف الإطالة ن ومن أراد ذلك فعليه بكتاب الحياة السياسية للإمام الرضا (ع) للسيد جعفر مرتضى العاملي ، وسيرة الأئمة الأطهار للشهيد المطهري .

علمه ومحاججاته مع اصحاب الفرق والمذاهب :

إن ما ظهر من الإمام الرضا (ع) من المعجزات الكثيرة والمحاجات العديدة المفحمة مع أرباب الملل والديانات كثيرة جداً ، لا يسع هذا المختصر جزءاً ضئيلاً منه .
فذات مرة جمع المأمون رؤساء الأديان في عهده ، رأس الجالوت حاخام اليهود ، وجاثليق النصارى ، ورئيس الصابئة ، والهربذ الأكبر صاحب الزرادشتين المجوس ، ثم أرسل للإمام الرضا (ع) ودعاه لذلك المجلس ، فجعل الإمام يحاجج كل واحد من هؤلاء بكتاب دينه ، فيجادلهم من أحكامهم وتعاليمهم ، ويفحمهم واحداً واحد .

وكان (ع) بارزاً في علوم عصره غير الدينية فانت له ممارسات كيميائية ووصفات طبية ، وظهر على يديه الكثير من المعجزات ، وكان (ع) يخبر بالمغيبات فينبئ عن وقوع أشياء قبل أن تقع وينبئ عما في القلوب والضمائر ويجيب عن المسائل قبل أن تُسأل .

وقد حدث مرة ان أحد الأخصام المعاندين ، وهو " ابن هذاب " قد اغتاظ من مكانة الإمام الرضا (ع) فانكر معرفة الإمام للغيب وقال ان الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى . فرد الإمام (ع) بالأية الكريمة (( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه احدأ ألا من ارتضى من رسول )) سورة الجن اية 26 -27 . ثم أضاف (ع) فرسول الله (ص) مرتضى الله ، ونحن ورثة ذلك الرسول (ص) الذي علمه الله تعالى ما يشاء من غيبه ، وعلمنا هو (ص) ما كان وما يكون إلى يوم القيامة واخبرك يا بن هذاب انك ستصاب بعد أيام ببلايا ، منها ، انك حتى خمسة ايام ستبتلي بدم ذي رحم ، وانك تصاب بعدها بايام ببصرك وتصيرمكفوفاً ، فلا تبصر سهلاً ولا جبلاً ، ثم قال (ع) ولك عندي دلالة أخرى على معرفتنا بالمغيبات ، هي انك ستحلف يميناً كاذبه فتضرب بسببها بالبرص . قال راوي الحديث وهو محمد بن الفضل . والله لقد نزل ذلك كله بابن هذاب فقيل له : أصدق الرضا (ع) أم كذب ؟ فقال والله لقد علمت في الوقت الذي أخبرني به انه كائن ولكني كنت أتجلّد .

قصص من حياته(ع)

خـُلق الامام (عليه السلام)

عن اليسع بن حمزة قال: كنت أنا في مجلس أبي الحسن الرضا (عليه السلام) اُحدّثه وقد اجتمع إليه خلق كثير يسألونه عن الحلال والحرام، إذ دخل عليه رجل. فقال له: السلام عليك يا ابن رسول الله رجل من محبّيك ومحبّي آبائك وأجدادك (عليهم السلام) جئت من الحجّ وقد افتقدّت نفقتي وما معي ما أبلغ به بلدي، فان رأيت أن تنهضني إلى بلدي ولله عليّ نعمة، فاذا بلغت بلدي تصدّقت بالذي تولّيني عنك، فلست موضع صدقة، فقال له: اجلس رحمك الله، وأقبل على الناس يحدّثهم حتّى تفرّقوا، وبقي هو وسليمان الجعفريّ وخيثمة وأنا، فقال: أتأذنون لي في الدّخول؟ فقام فدخل الحجرة، ثمّ خرج وردّ الباب وأخرج يده من أعلى الباب، وقال: أين الخراسانيّ؟ فقال: ها أنا ذا.

فقال(عليه الصلام): خذ هذه المأتي دينار واستعن بها في مؤنتك ونفقتك وتبرّك بها ولا تصدّق بها عنّي. فأخذ الخراساني المال وخرج.

فقال سليمان: جعلت فداك لقد أجزلت ورحمت، فلماذا سترت وجهك عنه؟ فقال: مخافة أن أرى ذلّ السؤال في وجهه لقضائي حاجته، أما سمعت حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «المستتر بالحسنة، تعدل سبعين حجّة، والمذيع بالسّيئة مخذول، والمستتر بها مغفور له».

الامام الرضا (عليه السلام) مع دعبل الخزاعي

دخل دعبل الخزاعيّ (رحمه الله) على الامام الرضا (عليه السلام) بمرو، فقال له: يا ابن رسول الله إنّي قد قلت فيك قصيدة وآليت على نفسي أن لا أنشدها أحداً قبلك، فقال (عليه السلام): هاتها، فأنشده:

مدارس آيات خلت عن تلاوة ***** ومنزل وحي مقـفـر العرصات

[ فلمّا بلغ إلى قوله:]

أرى فيئهم في غيرهم متـقسّماً ***** وأيـديـهم من فـيـئهـم صـفـرات

بكى الامام الرضا (عليه السلام) وقال له: صدقت يا خزاعيّ. فلمّا بلغ إلى قوله:

إذا وتروا مدّ وا إلى واتريهم ***** أكـفـاً عن الأوتار منقـبضات

جعل الامام (عليه السلام) يقـلـّب كفـّيه ويقول: أجل والله منقبضات. فلمّا بلغ إلى قوله:

لقد خفت في الدّنيـا وأيّـام سعـيها ***** وإنّـي لأرجـو الأمـن بعـد وفـاتي

قال الرّضا (عليه السلام): آمنك الله يوم الفزع الأكبر. فلمّا انتهى إلى قوله:

وقـبـر بـبـغـداد لـنـفـس زكـيّــة ***** تـضـمّـنها الـرّحمان فـي الغـرفـات

قال له الرّضا (عليه السلام): أفلا الحق لك بهذا الموضع بيتين، بهما تمام قصيدتك؟ فقال: بلى يا ابن رسول الله، فقال (عليه السلام):

وقـبـر بطـوس يا لها مـن مصـيبـة ***** تـوقـّـد بالأحـشاء فـي الحـرقـات

إلى الحـشر حـتـّى يبـعث الله قائـماً ***** يـفـرّج عـنّـا الـهـمّ والـكــربـات

فقال دعبل: يا ابن رسول الله هذا القبر الذي بطوس قبر من هو؟ فقال عليه السلام: قبري! ولا تنقضي الأيّام واللـّيالي حتّى يصير طوس مختلف شيعتي وزوّاري، ألا فمن زارني في غربتي بطوس كان معي في درجتي يوم القيامة مغفوراً له.

ثمّ نهض الرّضا (عليه السلام) بعد فراغ دعبل من إنشاد القصيدة وأمره أن لا يبرح من موضعه، ودخل الدار فأرسل له بيد الخادم صرة فيها مائة دينار.

فقال دعبل: والله ما لهذا جئت، ولا قلت هذه القصيدة طمعاً في شيء يصل إليّ، وردّ الصرّة، وسأل ثوباً من ثياب الرّضا (عليه السلام) ليتبرّك به، ويتشرّف به، فأنفذ إليه الرّضا (عليه السلام) جبّة خزّ مع الصرّة.

فأخذ دعبل الصرّة والجبّة، وانصرف.

 

استشهاده عليه السلام :

سبق وأن اشرنا في أسباب اعطاء المأمون ولاية العهد للإمام الرضا (ع) أن منها تدبير خطة لتصفية الإمام جسدياً . دون ان يساور احدأ الشك بدوره (لع) فيها ودون أن يظن أحد أنه هو السبب في مقتله (ع) ذلك لأن المأمون يعرف مكانة الإمام الرضا (ع) والبيت العلوي في نفوس الناس . وأراد في الوقت نفسه أن يتم الأمر بعيداً عن مقر حكمه (( طوس )) لكثرة ما بها من شيعة الإمام واتباعه ، فاشخص الإمام (ع) مع رئيس قافلة ، وأمر رئيسها بعدم المرور على الكوفة وقم لكثرة ما بها من الشيعة ، وقرر المأمون على اغتيال الإمام (ع) أثناء إنتقاله من طوس إلى بغداد ، فلما وصل إلى قرية "سنباد" وهي قريبة من رستاق (( نوقان )) على مسيرة يوم من طوس وفيها قبر أبيه هارون توقف لتنفيد خطته .

واوعز لغلام له أسمه عبدالله بن بشير ان يسم الإمام بعنب وحبات رمان ، ثم يقدمها للإمام (ع) ليأكلها واوصاه أن يجعل السم تحت أظفاره ثم يحوله إلى كفه ، ثم يفرك بكفه حبات الرمان ويناولها الإمام (ع) بمرأ من حضار المجلس ، لكي لا يتهمه احد بانه هو قاتل الإمام (ع) كما أوصاه أيضاً بأن يغمس سلكاً بالسم ثم يدخله في حبات العنب من الطرف إلى الطرف بابرة ويقدم من ذلك العنب إلى الإمام أيضاً امام أمام أنظار الناس .
فلما اعدَّ عبدالله بن بشر ذلك وحدد المامون اليوم لا غتيال الإمام (ع) بعث للإمام (ع) وحضر للمجلس ، وقدم له العنب والرمان المسمومين ، فامتنع الإمام عن الأكل واستعفى المأمونَ من ذلك ، ولكن المامون أصرأصراراً شديداً وقال للإمام (ع) لا بد لك من الله ، فلعلك تتهمنا بشيئ . فتناول الإمام (ع) من العنقود ثلاث حبات ثم رمى به وقام فقال إلى أين يا بن العم فقال (ع) : إلى حيث وجهتني . وخرج (ع) مغطى الرأس ، حتى دخل داره وامر بسد أبوابها فاغلقت ، ولم يكن في الدار غير خادمة ابي الصلت الهروي فلم يلبث إلا يومين استشهد بعدهما (ع) في بلاد الغربة في تلك القرية وحيداً غريباَ مسموماً ، وكان استشهاده يوم الثلاثاء السابع عشر من شهر صفر من سنة ثلاث ومئتين للهجرة النبوية الشريفة .

وكتم المامون (لع) موته (ع) يوماً وليله ، ثم انفذ إلى محمد بن جعفر الصادق (ع) عم الإمام ، فلما حضروه ا نعاه إليهم وبكى متظاهراً ، وأراهم أياه مبيناً انه صحيح الجسد ، وعلمت الشيعة بذلك فا جتمعوا لتشييع الإمام (ع) ففزع من وقوع الفتنة ، فخرج محمد بن الصادق (ع) بامر من المامون ، وفرق الناس ، قائلاً لهم ان امر الجنازة قد اخر إلى الغد .

فلما تفرق الناس ، اخرج المامون الجنازة الطاهرة ، ثم ان الإمام (ع) غسل وكفن وصلى عليه من يعلم الله - وهو الإمام الجواد (ع) في جوف الليل ثم أمر المأمون بدفن الإمام (ع) بجوار قبر أبيه ، بحيث يكون قبر أبيه امام قبر الإمام (ع) فلم تؤثر المعاول ولم تحفر شيئاً ، فتعجب المأمون في ذلك واستدعى احد مقربي الإمام (ع) وكان يدعى هرثمة الذي كان الإمام (ع) يسر له بكثير من المغيبات ، فاقترح هرثمه ان يجعل قبر الإمام أمام قبر هارون ففعلوا ذلك وإلى ذلك يشير دعبل الخزاعي الشاعر الشيعي الطائر الصيت

قبران في طوس خير الناس كلّهم ... و قبر شرهم هذا من العبرِ

ما ينفعُ الرجسُ من قرب الزكي وما ... علي الزكي بقرب الرجس من ضرر

هيهات كل امرئٍ بما كسبت ... له يداه فخذ ما شئت او فذر