الإمام علي بن محمد الهادي عليهما السلام

نسبه الشريف :

هو الإمام العاشر من أئمة الشيعة الأثنى عشرية ، ذو المكارم والأيادي ، والمعجزات والفضائل المشهورة بين الخاص والعام والحاضر والبادي ، المعصوم العاشر والنور الباهر ، المعصوم الثاني عشر مولانا ومولى الجن والممكنات والبشر ، مبدأ الفضل والأيادي الإما مأبي الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام .

وهو(ع) رابع العليين الأربعة في الأئمة الأطهار بعد العليين الثلاثة ، الإمام أميرالمؤمنين (ع) والإمام زين العابدين (ع) ، والإمام الرضا (ع) .
فنسبه (ع) من نسب أبيه ، تلك الذرية الطاهرة التي أذهب الله عنها الرجس وطهرها تطهيرا ، واصطفاها على البرية جميعا ، وزكاها على خلقه ، وجعلهم أئمة يهدون بامره تعالى .

وأما أمه ، فكانت جارية اشتراها الإمام الجواد (ع) بسبعين دينار وكانت تسمى سمانة المغربية " ويقال " متفرشة" ، ويقال أنها معروفة بالسيدة أم الفضل ، وهي من القانتات الصالحات ، وكان الإمام الهادي (ع) يقول على ما روي : (( أمي عارفة بحقي وهي من أهل الجنة ، ما يقربها شيطان مريد ، ولا ينالها كيد جبار عنيد ، وهي مكلوءة بعين الله التي لا تنام ، ولا تختلف عن أمهات الصديقين والصالحين .

مولده عليه السلام :

ولد (ع) في قرية صربا بالقرب من المدينة المنورة ، يوم الثلاثاء في الثاني من شهر رجب الأصب من سنة اثنتي عشرة ومئتين للهجرة النبوية الشريفة ، وربما يؤيد ذلك ما ذكرناه في ولادة الإمام الجواد (ع) من الدعاء في أول رجب (( اللهم إني أسألك بالمولدين في رجب محمد بن علي الثاني وأبنه علي بن محمد المنتجب )) وهذا يؤيد ويرجح ذلك ، بل يعينه ويحدده وإن كانت هناك روايات غير ذلك .

كنيته وألقابه عليه السلام :

يكنى (ع) بأبي الحسن ، ويقال له تمييزاً " أبو الحسن الثالث " بعد أبي الحسن الأول أمير المؤمنين (ع) وأبي الحسن الثاني جده الرضا (ع)
وأما القابه فكثيرة منها : الهادي وهو اشهرها ، والعسكري ، والفقيه ، والمؤتمن ، والنقي ، والعالم ، والمرتضى ، والناصح ، والأمين ، والمتقي والطيب ، والنجيب ، والفتاح ، والمتوكل وغيرها .

وقد كان (ع) يخفي اللقب الأخير - أي المتوكل - و يأمر أصحابه بأن يعرضوا تلقيبه به ، لكونه يومئذٍ لقباً للخليفة العباسي المعاصر ، وهو جعفر المتوكل المعاصر للإمام الهادي (ع) .
وأما لقب العسكري ، فسببه أ ن جعفر المتوكل أشخصه من المدينة المنورة إلى بغداد إلى سر من رأى ، وكان يعسكر فيها الجيش ، ولذا سميت عسكراً ، وقد أقام بها عشرين سنة وتسعة أشهر ، فلذلك قيل للإمام وولده (ع) العسكري نسبةً لها ، وإن غلب هذا اللقب على ولده الإمام الحسن العسكري (ع)

النص على إمامته عليه السلام :

كان الإمام الهادي (ع) مهئياً للإمامة والخلافة ، فقد كان (ع) أطيب الناس مهجة، وأصدقهم لهجة ، وكان شكلاً أحسنهم واملحهم ، وكانت أوصافه كلها تجعله المبرَّز والمقدم لإمامة البشر كيف لا وهو من بيت الرسالة والإمامة ، ومقر الوصية والخلافة ؟! كيف لا وهو شعبه من روح النبوة منتضاه ومرتضاه ، وثمرة من شجرة الرسالة مجتناه ومجتباه .
ومن تلك الأخبار المروية عن أبيه الجواد (ع) عن ابائه (ع) :
روى عن اسماعيل بن مهزيار أنه قال : لما خرج أبو جعفر (ع) من المدينة المنورة إلى بغداد في الدفعة الأولى من خروجه قلت له : جعلت فداك إني خائف عليك من هذه الوجه فإلى من الأمر بعدك ؟ فكرّ بوجهه (ع) إلي ضاحكاً وقال : ليس الأمر حيث ضننت في هذه السنة فلما استدعى به المعتصم صرت إليه فقلت له : جعلت فداك ها أنت خارج فإلى من الأمر من بعدك ، فبكى (ع) حتى اخضلت لحيته بالدموع ، ثم التفت إلي فقال : عند هذه يخاف علي ، فالأمر من بعدي إلى ابني علي ، فإن أمره امري ، وقوله قولي ، وطاعته طاعتي ، والإمامة بعده في ابنه الحسن .

سنوات عمره عليه السلام :

انتقل أمر الإمامة والخلافة إليه (ع) وهو في مدينة جده الرسول (ص) عن شهادة أبيه الجواد (ع) في بغداد . وله (ع) يومئذٍ من العمر ثمان سنوات وأربعة أشهر قريباً من قدر سني عمر أبيه الجواد (ع) عند انتقال الأمر والخلافة إليه بعد أبيه الرضا (ع) ، وبقي سلام الله تعالى عليه في المدينة بعد شهادة أبيه الجواد (ع) بقية ملك المعتصم ما يقرب من سنتين ، حتى أنتقل الأمر للمتوكل ( لع) حيث أشخص الإمام (ع) من المدينة المنورة إلى " سر من رأى " التي تبعد عن بغداد مسيرة ثلاثة أيام ، وبعد هلاك المتوكل في الرابع من شهر شوال سنة سبع وأربعين ومأتين ، بويع ابنه محمد بن جعفر الملقب بالمنتصر إلى أن وصل الأمر في النهاية للمعتز بن المتوكل وأسمه الزبير وكان ذلك في السنة الثانية والثلاثين من إمامة أبي الحسن الهادي (ع) ثم كانت شهادة الإمام (ع) في السنة الرابعة والثلاثين من إمامته .

وقد بقى (ع) في سامراء عشرين سنة وكانت مدة إمامته (ع) بعد أبيه الجواد (ع) أربعاً وثلاثين سنة ويوماً واحداً ، وقد تقدم انه (ع) أقام مع أبيه ما يقرب من ثمانية سنوات فيكون مجموع عمره الشريف (ع) نحو اثنين واربعين سنة.

أولاده عليه السلام :

خلف الإمام الهادي (ع) خمسة أولاد ، أربعة ذكور وأنثى واحدة مسماة "عالية" والذكور هم : الإمام الحسن العسكري (ع) الإمام بعده، والذي سنتعرض لسيرته تالياً ، إن شاء الله تعالى ، ومحمد صاحب الكرامات الباهرة والآيات الواضحة ، وهو المعروف بالسيد محمد ، والمدفون قريباً من سامراء على مسيرة ثمان ساعات ، وله قبة عالية ومزار مقصود في كل سنة ، وإن هذا السيد الجليل ، لكثرة ورعه ووفور علمه ، كان يظن انتقال الإمامة والخلافة إليه . ومن أولاد الإمام (ع) كذلك الحسين وأخيراً جعفر ، وهو المعروف بجعفر الكذاب والذي سبقت الإشارة إليه في حديث عن الإمام الصادق (ع) حول الحديث المروي عن الإمام السجاد (ع) ، وهذا كان عكس أخيه السيد محمد فقد ادعى الإمامة لنفسه بعد الإمام الهادي (ع) كذباً وافتراءً على الله ورسوله (ص) ، وإجتراء على الدين ، وقد سعى في إذاء أخيه الإمام الحسن العسكري (ع) وبعده في إذاء إمام العصر الحجة المنتظر (ع) ، وكان يلقب بزق خمر ، لكثرة شربه للخمر ولعبه بآلات اللهو والقمار ، وقد ورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (ع) في حقه أن سبيله سبيل ابن نوح (ع) ، وكان أبوه الهادي (ع) يقول فيه على ماروي " تجنبوا ابني جعفر فإنه مني بمنزلة كنعان بن نوح النبي (ع) إذ قال (ع) : ربِ إن ابني من أهلي فرد الله عليه بقوله تعالى : (( يانوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح )) .

وكان أبو محمد الحسن العسكري يقول على ماروي : الله الله أن يظهر لكم أخي على سر، فوالله ما مَثلي ومَثلهُ إلا مَثل هابيل وقابيل ابني ادم (ع) ، حين حسد قابيلُ هابيل على ما اعطاه الله تعالى ، ولو تهيأ لجعفر قتلي لفعل ولكن الله غالبٌ على أمره .

وقد أمعن الشيعة بعد أبي محمد (ع) وزادوا في هجره حتى تركوا السلام عليه ، ولكنه بعد استشهاد أخيه الإمام العسكري (ع) وبعد مماته ورد النهي من مولانا الحجة (ع) عن سب عمه جعفر ، ونهى شيعته عن لعنه ، وذكر (ع) لهم أن حاله حال أولاد يعقوب (ع) بمعنى أن الله سبحانه وتعالى قد وفقه في اخر عمره للتوبة والرجوع للحق . والله بصير بالعباد .

علمه ومحاججاته عليه السلام :

عاش الإمام الهادي (ع) في عصر كانت فيه المناقشات الفقهية والمجادلات الكلامية والمذاهب الفلسفية شاملة وعنيفة ، وكان على شبابه وصغر سنه بالنسبة إلى شيوخ الكلام ، واساطين الفلسفة يرجع إليه ، ويُسأل عن رأيه ، فكان الذروة في المعارف الدقيقة والأحكام الصائبة وكان قوله الفصل وحجته المفحمة .

وقد تسالم العلماء والفقهاء على الرجوع إلى رأيه المشرّف في المسائل المعقدة والغامضة من أحكام الشريعة الإسلامية . إذ لم يكن هناك أحد يضارعه في ثرواته العلمية المذهلة التي شملت جميع أنواع العلوم من الحديث والفقه والفلسفة وعلم الكلام ، وغيرها من سائر العلوم .

ومن الغريب أن المتوكل على الشيطان العباسي الذي كان من ألدِّ أعداء الإمام (ع) قدم رأي الإمام الهادي (ع) على أراء علماء عصره في المسائل التي اختلف فيها .

وأثرت عن الإمام (ع) روايات عن النبي (ص) وعن أمير المؤمنين والباقر والصادق والرضا (ع) ، وكذلك محاججاته المبهرة عن امتناع رؤية الله عز وجل دنيا وأخره ، واستحالة التجسيم واستحالة وصفه ، وحقيقة التوحيد ، وإبطال الجبر والتفويض وأثرت عنه (ع) الأدعية والمناجات والزيارات أيضاً ومن أشهر زيارات الإمام الهادي (ع) لأبائه الأئمة الطاهرين الزيارة الجامعة .

وتعتبر الزيارة الجامعة من أشهر زيارات الأئمة (ع) واعلاها شاناً ، واكثرها ذيوعاً وانتشاراً ، فقد أقبل أتباع أهل البيت (ع) وشيعتهم على حفظها وزيارة الأئمة (ع) بها خصوصاً في يوم الجمعة .
وسنتحدث عن سند الزيارة الجامعة وبلاغتها وشروحها باختصار وايجاز شديدين للغاية :

أما سندها ، فقد حاز درجة القطع من الصحة ، فقد رواها شيخ الطائفة الطوسي في التهذيب ، ورئيس المحدثين في " من لا يحضره الفقيه" ، و"العيون " وغيرهما ، قال المجلسي : إن هذه الزيارة من أصح الزيارات سنداً ، وأعمقها مورداً ، وأفصحها لفظاً ، وأبلغها معنى ، وأعلاها شأناً .

وعن بلاغتها فتفيض هذه الزيارة بالأدب الرائع ، فقد رصعت بأرق الألفاظ - كما تحلت بجواهر الفصاحة والبلاغة ، وبداعة الديباجة ، وجمال التعبير ، ودقة المعاني . الأمر الذي يدل على صدورها عن الإمام الهادي (ع) .

فقد اعتبر أن أية الخبر الصحيح هو ما إذا كان في أرقى مراتب البلاغة ، فإن الأئمة الطاهرين هم معدن البلاغة والفصاحة ، وهم الذين أسسوا قواعد الكلم البليغ ، فكان كلامه في أعلى مراتب الكلام الفصيح ، فكلامهم (ع) دون كلام الخالق ، وفوق كلام المخلوقين .

واما عن شروحها فقد اهتم بها العلماء اهتماماً بالغاً ، لما فيها من المطالب العالية ، والأسرار المنيعة ، والأمور البديعة ، ومن اهم شروحها :

1 - شرح ال㷺يارة الجامعة الكبيرة للشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي
2 - شرح الزيارة الجامعة للشيخ محمد تقي بن مقصود المجلسي .
3 - الشموس الطالعة في شرح الزيارة الجامعة للسيد حسين بن السيد محمد تقي الهمداني .
4 - شرح الزيارة الجامعة للسيد عبدالله شبر وأسماه الأنوار اللامعة في شرح الزيارة الجامعة .
5 - - - - - - - - - - - - - للسيد علي نقي الحائري .
6 - - - -- - - - - - - - - للشيخ محمد علي الرشتي النجفي .
7 - - - - - - - - - - -- -- للسيد محمد بن محمد بن باقر الحسيني .
8 - - - - - - - - - - -- - - للسيد محمد بن عبد الكريم الطباطبائي البروجردي .
9 - الأنوار الساطعة في شرح الزيارة الجامعة للشيخ جواد بن عباس الكربلائي ويقع هذا الشرح في خمسة أجزاء .

مـلـوك عـصـره :

عاصر صلوات الله وسلامه عليه وعلى ابائه وابنائه الطاهرين سبعاً من خلفاء بني العباس : المأمون ، والمعتصم ، والواثق ، الذي ملك خمس سنين وسبعة أشهر ، وبعده ملك المتوكل أربع عشرة سنة ، ثم المنتصر الذي كان ملكه ستة أشهر ، ثم أحمد بن محمد المستعين ، الذي كان في أكثر أيامه مشتغلاً بالحرب والمنازعة مع المعتزلة ، وكانت مدة ملكه أربع سنين وشهراً ، ثم خُلع بعدها ، وبويع المعتز بن المتوكل الذي استشهد الإمام (ع) في عهده .

حياته بشكل عام وروابطه مع ملوك عصره :

في عهد المعتصم سنة 220 هـ عندما استشهد أبوه (ع) في بغداد بواسطة السم الذي دس إليه ، كان الإمام العاشر (ع) في المدينة المنورة كما اسلفنا ، نال منصب الإمامة بامر من الله تعالى ووصية اجداده ، فقام بنشر التعاليم الإسلامية حتى زمن المتوكل .

لقد كان جميع الملوك الذين عاصرهم الإمام الهادي (ع) يهابونه ويحذرونه ويخافونه ويكرهونه - كما لأسلافهم مع أبائه - لفرط ما كان له ولهم من محبة وإجلال في نفوس الناس .

وكان أشد هؤلاء الملوك كرهاً لآل البيت ولعلي بن ابي طالب (ع) خاصة ، المتوكل ، بل لعله أشد ملوك بني العباس قاطبة ، كرهاً للإمام علي وابنائه (ع) ، وكان يعلن عداءه وتنفره لعلي (ع) فضلاً عن الكلام البذي الذي كان يتفوه به أحياناً ، وكان قد عين شخصاً يقلد أعمال الإمام علي (ع) في مجالسه ومحافله ، ويستهزئ وينال من تلك الشخصية العظيمة .
وأمر بتخريب قبة الإمام الحسين (ع) وضريحه والكثير من الدور المجاورة له ، وأمر بفتح المياه على حرم الإمام الحسين (ع) وقبره ، وابذل أرضها إلى أرض زراعية كي يقضي على جميع معالم هذا المرقد الشريف .

وفي زمن المتوكل اصبحت حالة السادة العلويين في الحجاز متدهورة ويرثى لها ، كانت نساؤهم تفتقر إلى ما يسترها ، والأغلبية منها كانت تحتفظ بعباءة بالية ، يتبادلها في أوقات الصلاة لأجل إقامتها ، وكان الوضع عن هذا في مصر بالنسبة إلى السادة العلويين .

ومن الإهانات التي وجهها المتوكل لأهل البيت (ع) . أنه استجعى الإمام الهادي (ع) في السنة العاشرة من خلافته واشخصه من المدينة إلى سر من رأى ، وكان سبب ذلك تهمة افتراها عليها بعض اعدائه ، فوجه المتوكل يحيي بن هرثمه ومعه ثلاثمائة رجل للمدينة المنورة ، ومعهم رسالة إلى الإمام (ع) يدعوه فيها إلى موافاته في سامراء ، واوصى يحيى بتفتيش دار الإمام (ع) ليضبطوا ما فيها من أسلحة وأدوات وعدة حرب ، كما أوصاه بنقل الإمام في غاية الإجلال والتبجيل والإحترام خوفاً من الشيعة والرأي العام .

فلما وصل " يحيى " إلى الإمام (ع) وجده جالساً يقرأ القرآن ، ولم يجند الجند في بيته (ع) سوى مصاحف وكتب أدعية ، فأكبره القوم وأحترموه ، ولما سلمه يحيي كتاب المتوكل استجاب الإمام (ع) واستمهل ثلاثة أيام استعداداً للخروج .

ولما علم الناس في المدينة المنورة بغرض يحيى من زيارة الإمام (ع) هاجوا عليه هياجاً عظيماً ، فجعل يحيى يسكنهم ويسكن روعهم ، وخرج الإمام (ع) معه ، وظهرت منه في الطريق معاجز كثيرة ، حتى دخل (ع) سامراء سنة ثلاث وثلاثين ومأتين من الهجرة المباركة .

فلما دخل الإمام (ع) سامراء احتجب المتوكل عنه ، ولم يعين داراً لنزوله (ع) حتى اضطر الإمام (ع) إلى النزول في "خان الصعاليك " وهو محل نزول الفقراء من الغرباء ، فدخل عليه صالح بن سعد وقال للإمام (ع) : جعلت فداك : في كل الأمور ارادوا إطفاء نورك والتقصير بك ، حتى أنزلوك هذا الخان الأشنع ؟ فأوما الإمام (ع) بيده فإذا بروضات أنقات وأنهار جاريات ، وجنات فيها خيرات عطرات ، وولدان كأنهن اللؤلؤ المكنون ، فحار بصر صالح ، وكثر عجبه فقال الإمام (ع) له : هذا لنا يا بن سعد لسنا في خان الصعاليك .

ثم افرد المتوكل بعدئذٍ داراً للإمام (ع) فانتقل إليها ، وجعل اللعين ليلاً ونهاراً يسعى في إداء الإمام (ع) والعمل على تحقيره وتصغيره بين الناس ولكن دون جدوى ، حتى جعل يعمل التدابير والحيل لقتله (ع) إلا أنه لم يتيسر له ذلك ، وهكذا ظل دأبه مدة اربع سنين إلى أن كثرت وقاحته وزاد كفره ، وإظهار نصبه وعداوته علناً ، حتى دعا عليه الإمام الهادي (ع) فقتل في اليوم الثالث من دعائه (ع) ليلة الأربعاء لأربع خلون من شهر شوال سنة سبع وأربعين ومائتين للهجرة الشريفة علي يدي باغر التركي بمعاونة المنتصر ووصيف التركي ، وقتلا هو وخادمه الفتح بن خاقان اللذين كانا سكرانين ثملين ، وانتقل إلى مقره من جهنم وبئس المصير ، وكان ذلك في السنة السابعة والعشرين من إمامته (ع) .

وهكذا كان حال الملوك الذين تولوا الملك بعد المتوكل ، وقد نسب إلى كل الخلفاء الثلاثة الذين تولوا الملك بعده أنهم دسوا االسم للإمام (ع) ليتخلصوا منه ، وليس ذلك ببعيد عنهم .
ولكنهم كانوا أخف وطأة على الإمام وشيعته بسبب منازعاتهم الفقهية والفلسفية والكلامية مع المعتزلة وسواهم .

قصص من حياته(ع)

( حد الزاني النصراني )

قدم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة، فأراد أن يقيم عليه الحد. فأسلم. فقال يحيى بن أكثم : قد هدم إيمانه شركه وفعله، وقال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود، وقال بعضهم:  يفعل به كذا وكذا .
فأمر المتوكّل بالكتاب إلى أبي الحسن العسكري (عليه السلام)، وسؤاله عن ذلك .
فلمّا قرأ الكتاب كتب (عليه السلام): يضرب حتّى يموت .
فأنكر يحيى  وأنكر فقهاء العسكر ذلك،  فقالوا: ياأمير المؤمنين! سله عن ذلك،  فانّه شيء لم ينطق به كتاب، ولم يجئ به سنة . 
فكتب إليه: إن الفقهاء قد أنكروا هذا،  وقالوا: لم يجئ به سنة  ولم ينطق به كتاب،  فبيّن  لنا  لِمَ أوجبت عليه الضرب حتّى يموت؟
فكتب (عليه السلام)((بِسم الله الرَحمن الرَّحيم : فَلّما رَأوا بَأسَنا قالُوا آمَنّا بِالله وَحدَهُ  وَكَفَرنا بِما كُنّا بِهِ مُشرِكِينَ فَلَم يَكُ يَنفَعَهُم إيما نُهُم لَمّا رَأوا بَأسَنا))    غافر/44-45-
فأمر به المتوكل فضرب حتّى مات .

ما حد المال الكثير؟


لما سُمَّ المتوكل، نذر لله إن رزقه الله العافية أن يتصدّق بمال كثير، فلمّا سلم وعوفي سأل الفقهاء عن حد (المال الكثير) كم يكون؟ فاختلفوا عليه. فقال بعضهم: (ألف درهم)، وقال بعضهم: (عشرة آلاف) درهم، وقال بعضهم: (مائة ألف) درهم فاشتبه عليه هذا.
فقال له الحسن حاجبه: إن أتيتك يا أميرالمؤمنين من الخلق برجل يخبرك الصّواب فمالي عندك؟
فقال المتوكّل: إن أتيت بالحقّ فلك عشرة آلاف درهم، وإلا أضربك مائة مقرعة.
قال الحاجب : قد رضيت، فأتى الإمام علي الهادي (عليه السلام) فسأله عن ذلك.
فقال له الإمام (عليه السلام): قل له: يتصدّق بثمانين درهماً. فرجع الحاجب إلى المتوكّل فأخبره
فقال المتوكل: سله ما العلّة في ذلك؟
فأتىالحاجب الإمام (عليه السلام) فسأله.
فقال الإمام(عليه اليسلام): إنّ الله عزّوجل قال لنبيّه (صلى الله عليه وآله وسلّم): «لقد نصركم الله في مواطن كثيرة» ـ التوبة: 25ـ فعددنا مواطن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فبلغت ثمانين موطناً.
فرجع الحاجب الى المتوكل فأخبره، ففرح، وأعطاه عشرة آلاف درهم.

بشارة الامام علي الهادي(عليه السلام) للنصراني

روى هبة الله بن أبي منصور الموصلي أنّه كان بديار ربيعة كاتب نصرانيّ وكان من اهل كفر توثا ـ قرية كبيرة من أعمال الجزيرة ـ يسمي يوسف بن يعقوب وكان بينه وبين والدي صداقة، قال: فوافى، فنزل عند والدي، فقال له: ما شأنك قدمت في هذا الوقت؟ قال: دعيت إلى حضرة المتوكل ولا أدري ما يراد منـّي إلا أني اشتريت نفسي من الله بمائة دينار، وقد حملتها لعلي بن محمد بن الرضا (عليهم السلام) معي، فقال له والدي: قد وفقت في هذا .

قال: وخرج الى حضرة المتوكل وانصرف الينا بعد أيامٍ قلائل فرحاً مستبشراً، فقال له والدي حدّ ثني حديثك، قال: صرت الى (سرّمن رأى) وما دخلتها قط، فنزلت في دارٍ وقلت أحبّ أن أوصل المائة الى ابن الرضا (عليه السلام) قبل مصيري الى باب المتوكل وقبل ان يعرف أحد قدومي، قال: فعرفت أنّ المتوكل قد منعه من الركوب وأنه ملازم لداره فقلت: كيف أصنع؟ رجل نصرانيّ يسأل عن دار ابن الرضا لا آمن ان يبدر بي فيكون ذلك زيادة فيما احاذره.

قال: ففكرت ساعة في ذلك، فوقع في قلبي أن أركب حماري وأخرج في البلد ولا أمنعه من حيث يذهب لعلّي أقف على معرفة داره من غير أن أسأل احداً، قال: فجعلت الدنانير في قرطاسٍ وجعلتها في كمّي وركبت، فكان الحمار يتخرّق الشوارع والاسواق يمرّ حيث يشاء الى أن صرت الى باب دارٍ فوقف الحمار، فجهدت أن يزول فلم يزل، فقلت للغلام:سل لمن هذه الدّارَ، فقيل: هذه دار إبن الرضا! فقلت: الله اكبر دلالة والله مقنعه.

قال: وإذا خادم أسود قد خرج، فقال: أنت يوسف بن يعقوب؟ قلت: نعم. قال: إنزل. فنزلت، فاقعدني في الدّهليز. فدخل فقلت في نفسي : هذه دلالة أخرى من أين عرف هذا الغلام اسمي وليس في هذا البلد من يعرفني ولادخلته قط .

قال : فخرج الخادم فقال: مائة دينار التي في كمّك في القرطاس هاتها! فناولته إيّاها، قلت: وهذه ثالثة. ثّم رجع إليّ وقال: أدخل. فدخلت اليه وهو في مجلسه وحده، فقال: يايوسف ما بان لك؟ فقـلـت يا مولاي قد بان لي من البرهان ما فيه كفاية لمن اكتفى، فقال: هيهات انك لاتسلم ولكن سيسلم ولدك فلان، وهو من شيعتنا، يايوسف إنّ أقوامًا يزعمون أنّ ولايتنا لا تنفع أمثالكم، كذبوا والله إنها لتنفع امثالك! إمضِ فيما وافيت له فإنك سترى ما تحب، قال: فمضيت الى باب المتوكّل فقلت كلّ ما أردت فانصرفت.

قال هبة الله: فلقيت ابنه بعد هذا ـ يعني بعد موت والده ـ والله وهو مسلم حسن التشيّع، فاخبرني أنّ أباه مات على النصرانيّة وأنـّه أسلم بعد موت أبيه، وكان يقول: أنا بشارة مولاي(عليه السلام).

شهادته عليه السلام :

استشهد الإمام الهادي (ع) في مدينة سر من رأى ، التي نقله إليها المتوكل - كما اسلفنا - والتي ابقاه هو وسلاطين بني العباس من بعده فيها عشرين سنة ليكون قريباً منهم ، خاضعاً لمراقبتهم ، بعيداً عن كل ما يحتمل أن يتحرك لطلب الخلافة له . ورغم ان الإمام (ع) كان في الواقع رهينة عندهم ، فإنهم لم يتوانوا عن العمل للتخلص منه نهائياً ، وينسب المورخون السبب استشاد الإمام الهادي (ع) إلى السم الذي دسه له المعتز الذي استشهد الإمام (ع) في السنة الثانية من عهده ( وينسب البعض إلى المستعين الذي كان قبل المعتز ، دس السم للإمام (ع) أيضاً ) بل إن البعض ينسب دس السم إلى المعتمد العباسي الذي تولى الخلافة بعد استشاد الإمام الإمام (ع) . أي أن المعتمد عمد إلى محاولة قتل الإمام (ع) قبل أن يصبح خليفة ، والمشهور أن المعتز هو الذي قتل الإمام (ع)
وقد كانت شهادته (ع) في الثالث من شهر رجب المرجب في السنة الرابعة والخمسين بعد المائتين من الهجرة النبوية المباركة ، ودفن (ع) في بيته ويقع على بعد 120كم شمال بغداد ، وله مزار عظيم تعلوه قبة ذهبية كبيرة