كيف يكون الإمام علي نفس رسول الله ؟

العلامة السيد سلطان الواعظين الشيرازي

قلت : اتحاد شخصين بالمعنى الحقيقي غير ممكن ومحال عقلا ، ونحن إنما نقول باتحاد نفس النبي (ص) ونفس الإمام علي (ع) مجازا .

وبيان ذلك : إن المحبة والمودة بين شخصين إذا وصلت أعلى مراتبها بحيث تصبح رغباتهم واحد ، وجميع الأمور المتعلقة بالنفس والصادرة عنها تصبح واحدة أو متشابهة ومتماثلة ، يعبر عن النفسين بالنفس الواحدة مجازا(1).

وجاء هذا المعنى في كلمات بعض الأولياء ، وفي أشعار بعض الفصحاء والبلغاء .

كما نجد في الديوان المنسوب إلى الإمام علي (ع) :

هموم الرجــال فـي أمـور كثـيرة وهمي في الدنيا صديق مساعـد

يكون كروح بين جسمين قسمت فجسمهما جسمان والروح واحد

ولبعض الشعراء :

أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحــن روحــان حللنــا بدنا

فـإذا أبــصرْتنـي أبــصــرتـه وإذا أبصــرتــه كـــان أنـــا

روحه روحي وروحي روحه من رأى روحين حلا بدنا ؟!

فاتحاد نفس رسول الله (ص) وعلي بن أبي طالب (ع) ، وتعبيرنا بذلك إنما كان مجازا لا حقيقة ، والمراد أن رغبتهما كانت واحدة ونفسيتهما كانت متماثلة ، وكانا متشابهين في الفضائل النفسية والكمالات الروحية ، إلا ما خرج بالنص والدليل .

الحافظ : إذا أنتم تقولون بأن محمد (ص) وعليا ( كرم الله وجهه ) كانا نبيين ، ولعلكم تعتقدون بأن الوحي نزل عليهما معا !!

قلت : هذه مغالطة بينة منكم ، ونحن الشيعة لا نعتقد بهذا ، وما كنت أتوقع منكم أن تكرروا ما طرحتم من قبل ، حتى أكرر جوابي ، فيصبح مجلس التفاهم والحوار مجلس جدل وتكرار ، فيضيع وقت الحاضرين الذين جاءوا ليستفيدوا من حديثنا وحوارنا ، ويعرفوا الحق فيتبعوه .

وقد قلت : بأنا نعتقد أن النبي (ص) و الإمام (ع) متحدان ، أي متشابهان في جميع الفضائل النفسية ، ومتمثلان في الكمالات الروحية ، إلا ما خرج بالنص والدليل ، وهو مقام النبوة الخاصة وشرائطها ، التي منها نزل الوحي عليه ، فإن الوحي النبوي خاص بحمد المصطفى دون علي المرتضى ، وقد بينا ذلك بالتفصيل ضمن حديثنا في الليالي الماضية ، وإذا كنتم قد نسيتم ذلك فراجعوا الصحف التي نشرت تلك المحاورات !

لقد أثبتنا ضمن تفسير حديث المنزلة ، أن الإمام عليا (ع) كان في مقام النبوة [ وليس بنبي ] لكن كان تابعا لشريعة سيد المرسلين ، ومطيعا لخاتم النبيين محمد (ص) ، ولذا لم ينزل عليه وحي بل نزل على محمد (ص) ، كما أن هارون كان نبيا في زمن موسى بن عمران إلا أنه كان تابعا ومطيعا لأخيه موسى (ع) .

الحافظ : لما كنتم تعتقدون بأن عليا يساوي رسول الله (ص) في جميع الفضائل والكمالات ، فالنبوة وشرائطها لازمة لتلك المساواة ؟!

قلت : ربما يتصور الإنسان ذلك من معنى المساواة ، ولكن إذا فكر بدقة في التوضيح الذي قلناه يعرف أن الحق غير ما يتصوره بادئ الأمر ، وقد أوضحنا الموضوع في الليالي السابقة وبرهنا عليه من القرآن الحكيم ، فإن الله سبحانه يقول :( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض )(2).

ولا شك أن أفضلهم هو أكملهم وخاتمهم الذي قال تعالى في شأنه : ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين )(3).

فالكمال الخاص بنبوة محمد (ص) كان السبب في أن الله سبحانه يختم به النبوة ورسالة السماء ، وهذا الكمال الخاص به (ص) لا يشاركه ولا يساويه فيه أحد ، إلا أن سائر كمالاته النفسية وفضائله الروحية قابلة للمشاركة والمشابهة ، وكان علي (ع) يشاركه ويماثله فيها .

السيد عبد الحي : هل لكم دليل على ذلك من القرآن الكريم ؟

 

الاستدلال بآية المباهلة:

قلت : دليلنا من القرآن الكريم قوله تعالى : ( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين )(4).

إن كبار علمائكم ، وأعلامكم من المحدثين والمفسرين ، أمثال :

الإمام الفخر الرازي ، في " التفسير الكبير " .

و الإمام أبي اسحاق الثعلبي ، في تفسير " كشف البيان ".

وجلال الدين السيوطي ، في " الدر المنثور " .

والقاضي البيضاوي ، في " أنوار التنزيل " .

وجار الله الزمخشري ، في تفسير " الكشاف " .

ومسلم بن الحجاج في صحيحه .

وأبي الحسن ، الفقيه الشافعي ، المعروف بابن المغازلي في المناقب .

والحافظ أبي نعيم في " حلية الأولياء " .

ونور الدين ابن الصباغ المالكي ، في " الفصول المهمة " .

وشيخ الإسلام الحمويني ، في " فرائد السمطين " .

وأبي المؤيد الموفق الخوارزمي ، في المناقب .

والشيخ سليمان الحنفي القندوزي ، في " ينابيع المودة " .

وسبط ابن الجوزي ، في التذكرة .

ومحمد بن طلحة في " مطالب السؤول " .

ومحمد بن يوسف الكنجي القرشي الشافعي ، في " كفاية الطالب " .

وابن حجر المكي ، في " الصواعق المحرقة ".

هؤلاء وغيرهم ذكروا مع اختلاف يسير في الألفاظ ، والمعنى واحد ، قالوا : إن الآية الكريمة نزلت يوم المباهلة وهو 24 أو 25 من ذي الحجة الحرام .

تفصيل المباهلة:

قالوا : دعا النبي (ص) نصارى نجران إلى الإسلام ، فأقبلت شخصياتهم وأعلامهم وعلماؤهم ، وكان عددهم يربو على السبعين ، ولما وصلوا المدينة المنورة التقوا برسول الله (ص) وجالسوه كرارا وتناظروا معه ، فسمعوا حديثه ودلائله على ما يدعوا إليه من التوحيد والنبوة وسائر أحكام الإسلام ، وما كان عندهم رد وجواب ، ولكن حليت الدنيا في أعينهم ، وراقهم زبرجها ، وخافوا إن أسلموا يفقدوا مقامهم ورئاستهم على قومهم .

فلما رأى النبي لجاجهم وعنادهم ، دعاهم إلى المباهلة حتى يحكم الله بينهم ويفضح المعاند الكاذب ، فقبلوا ... ولما جاءوا إلى الميعاد ، وهو مكان في سفح جبل ، وكان النصارى أكثر من سبعين ، من علمائهم وساداتهم وكبرائهم ، فنظروا وإذا رسول الله (ص) قد أقبل مع رجل وامرأة وطفلين ، فسألوا عنهم بعض الحاضرين ، فلما عرفوا أن الرجل الذي مع النبي (ص) صهره وابن عمه علي بن أبي طالب ، وهو وزيره ، وأحب أهله إليه ، والمرأة ابنته فاطمة الزهراء ، والطفلين هما سبطاه الحسن والحسين .

قال لهم أكبر علمائهم : انظروا إلى محمد ! لقد جاء بصفوة أهله وأعزهم عليه ليباهلنا بهم ، وهذا إنما يدل على يقينه واطمئنانه بحقانيته ورسالته السماوية ، فليس من صالحنا أن نباهله ، بل نصالحه بما يريد من الأموال ولولا خوفنا من قومنا ومن قيصر الروم ، ولآمنا بمحمد وبدينه .

فوافقه قومه وقالوا : أنت سيدنا المطاع .

فبعثوا إلى رسول الله (ص) أنهم لا يباهلونه ، بل يريدون المصالحة معه ، فرضي رسول الله (ص) بالمصالحة وأمر عليا (ع) فكتب كتاب الصلح بإملاء النبي (ص) .

فصالحهم (ص) على ألفي حلة فاخرة ، ثمن الواحدة أربعون درهما ، وألف مثقال ذهب ، وذكر بنودا أخرى .

فوقع الطرفان على كتاب الصلح .

ولما اعترض النصارى على الأسقف الأعظم ومصالحته مع نبي الإسلام ، أجابهم قائلا : والله ما باهل نبي أهل ملة إلا نزل عليهم العذاب وماتوا عن آخرهم ، وإني نظرت إلى وجوه أولئك الخمسة : محمد وأهل بيته ، فوجدت وجوها لو دعوا الله عز وجل باقتلاع الجبال وزوالها لانقلعت وانزالت .

الحافظ : هذا الخبر صحيح ، ومنقول في كتبنا المعتبرة ، ولا منكر له بين علمائنا ، ولكن ما هو ارتباطه بسؤالنا عن دليل اتحاد نفس علي ( كرم الله وجهه ) مع نفس النبي (ص) ؟!

قلت :  ارتباط الخبر بالسؤال كلمة ( أنفسنا ) في الآية الكريمة .

أولا : الآية تدل على أن عليا وفاطمة والحسن والحسين (ع) هم أفضل الخلق وأشرفهم بعد النبي (ص) عند الله تبارك وتعالى ، وهذا ما وصل إليه وصرح به كثير من علمائكم ، حتى المتعصبين منهم ، مثل الزمخشري في تفسيره لآية المباهلة ، فقد ذكر شرحا وافيا عن الخمسة الطيبين وكشف حقائق ودقائق مفيدة عن فضلهم ومقامهم عند الله سبحانه ، حتى قال : إن هذه الآية الكريمة أكبر دليل وأقوى برهان على أفضلية أصحاب الكساء على من سواهم .

ورأى البيضاوي والفخر الرازي في تفسير الآية قريب من رأي الزمخشري .

ثانيا : نستنبط من الآية الكريمة أن مولانا علي بن أبي طالب هو أفضل الخلق وأشرفهم بعد رسول الله (ص) ، لأن الله تعالى جعله نفس النبي (ص) إذا أن كلمة ( أنفسنا) لا تعني النبي (ص) ، لأن الدعوة منه لا تصح لنفسه (ص) ، وإنما الدعوة من الإنسان لغيره ، فالمقصود من ( أنفسنا ) في الآية الكريمة هو سيدنا وإمامنا علي (ع) ، فكان بمنزلة نفس النبي (ص) ، ولذا دعاه وجاء به إلى المباهلة ، وذلك بأمر الله سبحانه .

هذا جواب سؤالكم وارتباط الآية الكريمة بالموضوع .

فعلي (ع) هو نفس رسول الله (ص) بتعبير القرآن الكريم ، وهو تعبير مجازي واتحاد اعتباري لا حقيقي .

وقد قال الأصوليون : حمل اللفظ على المعنى المجازي الأقرب أولى من حمله على الأبعد .

وفي ما نحن فيه ، أقرب المعاني المجازية لاتحاد النفسين تساويهما في جميع الأمور النفسية ، وتماثلهما في جميع الصفات الكمالية اللازمة لها إلا ما خرج بالدليل .

وقلنا : إن الخارج بالدليل والإجماع ، عدم نزول الوحي على الإمام علي (ع) ، وعدم تساويه مع النبي (ص) في النبوة الخاصة به (ص) .

الحافظ : لنا أن نقول بأن تعبير الآية : ( ندعو ... أنفسنا ) تعبير مجازي ، وادعائكم في الاتحاد النفسي المجازي لم يكن أولى و أقوى مما نقول نحن !

قلت : أرجوكم أن تتركوا المراء والجدال ، ولا تضيعوا وقت المجلس بالقيل والقال ، فإن العلماء والعقلاء اتفقوا على أن الأخذ بالمجاز الشائع أولى وأقوى من الأخذ بالمجاز غير الشائع .

والمجاز الذي نقول فيه بالموضوع هو المعنى الشائع له عند العرب والعجم ، فكم من قائل لصاحبه : أنت روحي وأنت كنفسي ! ولكي تطمئن قلوبكم لهذا المعنى ، فإني أنقل لكم بعض الأحاديث النبوية فيه...

 

شواهد من الأحاديث

الأخبار المروية والأحاديث النبوية في هذا المعنى المجازي كثيرة ننقل نماذج منها :

قال رسول الله (ص) : علي مني وأنا منه، من أحبه فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحب الله .

أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في " المسند " وابن المغازلي في المناقب، والموفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب، وآخرون غيرهم .

وقال (ص) : علي مني وأنا من عليّ، ولا يؤدي عني إلا أنا أو عليّ .

أخرجه جماعة ، منهم :ابن ماجه في السنن 1/92 ، والترمذي في صحيحه ، وابن حجر في الحديث السادس من الأربعين حديثا التي رواها في مناقب علي بن أبي طالب (ع) في كتابه ( الصواعق ) وقال : رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه .

و الإمام أحمد في المسند 4/164 ، وحمد بن يوسف الكنجي في الباب 67 من " كفاية الطالب " نقله عن مسند ابن سماك ، و " المعجم الكبير " للطبراني .

وأخرجه الإمام عبد الرحمن النسائي في كتابه " خصائص الإمام علي (ع) " .

وأخرجه الشيخ سليمان القندوزي في الباب السابع من " ينابيع المودة " .

وروى الأخير أيضا في الباب السابع عن عبد الله بن أحمد بن حنبل مسندا ، عن ابن عباس : أن رسول الله (ص) قال لأم سلمة رضي الله عنها : علي مني وأنا من علي ، لحمه من لحمي ، ودمه من دمي ، وهو مني بمنزلة هارون من موسى ، يا أم سلمة اسمعي واشهدي ! هذا علي سيد المسلمين .

وأخرج الحميدي في الجمع بين الصحيحين ، وابن أبي الحديد في " شرح نهج البلاغة " عن رسول الله (ص) قال : علي مني وأنا منه ، وعلي مني بمنزلة الرأس من البدن ، من أطاعه فقد أطاعني ، ومن أطاعني فقد أطاع الله .

وأخرج الطبري في تفسيره ، والمير السيد علي الهمداني الفقيه الشافعي في المودة الثامنة من كتابه " مودة القربى " أن رسول الله (ص) قال : إن الله تبارك وتعالى أيد هذا الدين بعلي ، وإنه مني وأنا منه ، وفيه أنزل : ( أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه )(5). وخصص الشيخ سليمان القندوزي في كتابه " ينابيع المودة " بابا بعنوان :

الباب السابع : في بيان أن عليا ( كرم الله وجهه ) كنفس رسول الله (ص) ، وحديث : علي مني وأنا منه .

وأخرج فيه أربعة وعشرين حديثا مسندا ـ بطرق شتى وألفاظ مختلفة لكن متحدة المعنى ـ عن رسول الله (ص) أنه قال : علي مني بمنزلة نفسي .

وفي أواخر الباب ينقل عن " المناقب" حديثا يرويه عن جابر ، أنه قال : سمعت من رسول الله (ص) في علي بن أبي طالب عليه السلام خصالا لو كانت واحدة منها في رجل كانت تكفي في شرفه وفضله ، وهي قوله (ص) :

من كنت مولاه فعلي مولاه .

وقوله : علي مني كهارون من موسى .

وقوله : علي مني وأنا منه .

وقوله : علي مني كنفسي ، طاعته طاعتي ، ومعصيته معصيتي .

وقوله : حرب علي حرب الله ، وسلم علي سلم الله .

وقوله : ولي علي ولي الله ، وعدو علي عدو الله .

وقوله : علي حجة الله على عباده .

وقوله : حب علي إيمان وبغضه كفر .

وقوله : حزب علي حزب الله ، وحزب أعدائه حزب الشيطان .

وقوله : علي مع الحق والحق معه لا يفترقان .

وقوله : علي قسيم الجنة والنار .

وقوله : من فارق عليا فقد فارقني ، ومن فارقني فقد فارق الله .

وقوله : شيعة علي هم الفائزون يوم القيامة .

ويختم الباب بحديث آخر رواه عن المناقب أيضا ، جاء في آخره ، أقسم بالله الذي بعثني بالنبوة ، وجعلني خير البرية ، إنك لحجة الله على خلقه ، وأمينه على سره وخليفة الله على عباده.

أمثال هذه الأحاديث الشريفة كثيرة في صحاحكم ومسانيدكم المعتبرة ، ولو نظرتم فيها بنظر الإنصاف لأذعنتم أنهم قرائن على المجاز الذي تقوله في اتحاد نفس المصطفى (ص) وعلي المرتضى عليه السلام وهي تؤيد نظرنا أن كلمة ( أنفسنا ) في آية المباهلة دليل واضح على تقارب نفسي النبي والوصي إلى حد التساوي في الكمالات الروحية والتماثل في الصفات النفسية .

فإذا ثبت هذا الأمر ، فقد ثبت اعتقادنا بأفضلية علي عليه السلام وتقدمه على الرسل والأنبياء (ص) ما عدا خاتم النبيين محمد (ص) .

استدلال آخر:

جاء في الحديث النبوي الشريف : علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل .

أخرجه جماعة من أعلامكم ، منهم :

الإمام الغزالي في إحياء العلوم ، وابن أبي الحديد في " شرح نهج البلاغة " والفخر الرازي في تفسيره ، وجار الله الزمخشري ، والبيضاوي ، والنيسابوري ، في تفاسيرهم .

وجاء في رواية أخرى :

علماء أمتي أفضل من أنبياء بني إسرائيل .

فإذا كان علماء المسلمين الذين أخذوا علمهم من منبع النبوة ومدرسة الرسالة والقرآن الحكيم كأنبياء بني إسرائيل أو أفضل ، فكيف بعلي بن أبي طالب عليه السلام الذي نص فيه رسول الله (ص) بقوله : أنا مدينة العلم وعلي بابها (6)، وأنا مدينة الحكمة وعلي بابها ؟!

وحل وقت العشاء ، وبعدما صلوا صلاة العشاء وانعقد المجلس ، بدأت بالكلام قائلا .

 

(1) لقد نقل أبي الحديد شرح نهج البلاغة : 10/221 ط دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ، نقلا كلاما لأبي جعفر النقيب، وقد رأيته مناسبا للمقام فأنقله هنا تعميما للفائدة :

قال في تشابه أخلاق الإمام علي (ع) بأخلاق رسول الله (ص) : انظروا إلى أخلاقها وخصائصهما ، هذا شجاع وهذا شجاع ، هذا فصيح وهذا فصيح ، هذا سخي جواد وهذا سخي جواد ، هذا عالم بالشرائع والأمور الإلهية وهذا عالم بالفقه والشريعة والأمور الإلهية الدقيقة الغامضة ، هذا زاهد في الدنيا غير نهم ولا مستكثر منها ، وهذا زاهد في الدنيا تارك لها غير متمتع بلذاتها ، هذا مذيب نفسه في الصلاة والعبادة ، وهذا مثله ، وهذا غير محبب إليه شيء من الأمور العاجلة إلا النساء وهذا مثله ، وهذا ابن عبد المطلب بن هاشم وهذا ابن عبد المطلب بن هاشم وهذا في قعدده ( القعدد : القريب الآباء من الجد الأعلى ) وأبواهما أخوان لأم ولأب واحد دون غيرهما من بني عبد المطلب .

ورُبّيَ محمد (ص) في حجر والد هذا ، وهذا أبو طالب فكان جاريا عنده مجرى أحد أولاده ،ن ثم لما شب (ص) وكبر استخلصه من بني أبي طالب وهو غلام ، فرباه في حجره مكافأة لصنيع أبي طالب به ، فامتزج الخلقان وتماثلت السجيتان .

وإذا كان القرين مقتديا بالقرين ، فما ظنك بالتربية والتثقيف الدائم ؟!

فواجب أن تكون أخلاق محمد (ص) كأخلاق أبي طالب، وتكون أخلاق علي (ع) كأخلاق أبي طالب أبيه ومحمد (ص) مربّيه، وأن يكون الكل شيمة واحدة وسوسا( سوسا واحدا : أصلا واحدا ) واحدا وطينة مشتركة ، ونفسا غير منقسمة ولا متجزئة ، وألا يكون بين بعض هؤلاء وبعض فرق ولا فضل ، لولا أن الله تعالى اختص محمدا (ص) برسالته واصطفاه لوحيه ، لما يعلمه من مصالح البرية في ذلك ، ومن أن اللطف به أكمل ، والنفع بمكانه أتم وأعم ، فامتاز رسول الله (ص) بذلك عمن سواه وبقي ما عدا الرسالة على أمر الاتحاد ، وإلى هذا المعنى أشار (ص) بقوله : " أنت مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي " فأبان نفسه منه النبوة ، وأثبت له ما عداها من جميع الفضائل والخصائص مشتركا بينهما . " المترجم "

(2) سورة البقرة ، الآية 253 .

(3) سورة الأحزاب ، الآية 40 .

(4) سورة آل عمران ، الآية 61 .

(5) سورة هود ، الآية 17 .

(6) ألّف ابن الصديق المغربي ـ وهو من علماء العامة ـ كتابا حول هذا الحديث وأسماه بـ " فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العلم علي " قال في مقدمته : وأما حديث باب العلم فلم أر من أفرده بالتأليف ، وجّه إليه العناية بالتصنيف ، فأفردت هذا الجزء لجمع طرقه ، وترجيح قول من حكم بصحته .. ورواه جمع غفير من أعلام القوم منهم :

1ـ تاريخ بغداد : 2 /377 و4/348 و11/48 و49 و480 .

2ـ المعجم الكبير للطبراني : 11/65/ح11061 .

3ـ التدوين بذكر أهل العلم بقزوين :3/3.

4ـ أحسن التقاسيم :127 .

5ـ تاريخ ابن عساكر : في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام : ح رقم 994و995 .

6ـ تاريخ جرجان : 24 ط حيدر آباد .

7ـ شواهد التنزيل :81 .

8ـ المفردات ـ للراغب ـ :64 .

9ـ أسد الغابة : 4/22 .

10ـ الفائق في غريب الحديث : 1/28 .

11ـ خصائص العشرة : 98 ط بغداد .

12ـ فرائد السمطين : 1/ 98 .

13ـ تذكرة الحفاظ : 4/28 ط حيدر آباد .

14ـ البداية والنهاية : 7/ 358 .

15ـ لباب الألباب في فضائل الخلفاء والأصحاب : فصل الأخبار المسندة في علي عليه السلام .

16ـ وسيلة المتعبدين : 2/ 164 .

17 ـ بهجة النفوس : 2/175 و4/243 .

18ـ لمع الأدلة ـ لابن الأنباري ـ :46 .

19ـ نهاية الأرب : 20/ 6 .

20ـ مجمع الزوائد : 9/ 114 .

21ـ صبح الأعشى :10/425 .

22ـ عمدة القاري في شرح صحيح البخاري 7/ 631 .

23ـ تمييز الطيب من الخبيث : 41 .

24ـ مناقب الخلفاء ـ لمقدسي الحنفي ـ .

25ـ جمع الفوائد : 3/221 .

26ـ سمط النجوم العوالي : 491 .

27ـ كشف الخفا : ح رقم 618 .

28ـ إتحاف السادة المتقين : 6/ 244 .

29ـ الفتوحات الاسلامية 2/510 .

30ـ تاريخ آل محمد :56 .

31ـ مقاصد الطالب ـ للبرزنجي ـ .

32ـ الفتح الكبير 2/176 ـ177 .

33ـ شجرة النور الزكية 2/71 .

34ـ جامع الأحاديث 3/237 .

35 ـ المستدرك ـ للحاكم ـ : 3:126 و127 و129 .

36ـ ميزان الاعتدال : 1/ح رقم 1525 .

37ـ الجامع الصغير ـ للسيوطي : 1/364 بالرقم 2705 .

38ـ منتخب كنز العمال :5/30 .

39ـ ينابيع المودة : الباب الرابع عشر .

40ـ مناقب ابن المغازلي : ح رقم 120 الى 129 .

41ـ وقد خصص العلامة الكنجي الشافعي في كتابه " كفاية الطالب " الباب الثامن والخمسين ، بعنوان " في تخصيص علي عليه السلام بقوله (ص) أنا مدينة العلم وعلي بابها " فذكر الحديث باسناده من طرق شتى بعبارات متعددة إلا أنها متحدة المعنى وبعده علّق عليه في آخر الباب تعليقا قيما ، وختم تعليقه بالسطور التالية :

فقد قال العلماء من الصحابة والتابعين وأهل بيته بتفضيل علي عليه السلام ، وزيادة علمه وغزارته ، وحدة فهمه ، وفور حكمته ، وحسن قضاياه وصحة فتواه ، وقد كان ابو بكر وعمر وعثمان وغيرهم من علماء الصحابة يشاورونهم في الاحكام ويأخذون بقوله في النقض والابرام ، اعترافا منهم بعلمه و وفور فضله ورجاحة عقله وصحة حكمه ، وليس هذا الحديث في حقه بكثير ، لأن رتبته عند الله وعند رسوله (ص) وعند المؤمنين من عباده أجل وأعلى من ذلك . انتهى . " المترجم "